المؤتمر القومي العربي الأول 1990 بيان إلى الأمةـ في هذه الحقبة التاريخية الاستثنائية التي يشهد فيها العالم عملية تحول حضاري كبرى، وفي مواجهة التحديات متزايدة الخطورة، التي تمس قيم الأمة العربية ومقدساتها وكرامة انسانها ومصالحها، وفي ظل تفاقم عجز الأنظمة القائمة عن مواجهة المخاطر والتحديات التي تواجه الأمة، هذا العجز الذي ينقلب طغياناً وقهراً وافقاراً للمواطن العربي، وهدراً لإمكانات الأمة، وفي عصر الانتفاضة وارهاصات الحرية والديمقراطية في الوطن العربي المهدد في وجوده ومصيره، وعلى هدى تجارب تاريخية تقوم كمنارات في تاريخنا الحديث، حين كان يتداعى أهل الرأي للتلاقي والنظر في حال الأمة، انعقد المؤتمر القومي العربي الأول بمدينة تونس في الفترة من 3 إلى 5 مارس (آذار) 1990 جامعاً شمل عدد من المثقفين وأهل الرأي العرب، يجمعهم إيمانهم بأمتهم، وشعورهم بالمسؤولية القومية0 ـ ولقد تدارس المؤتمرون أحوال الأمة، وعبروا عن اعتزازهم بانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الباسلة وصمودها في وجه محاولات اخمادها، وبسالة الشعب العراقي في حماية الحدود الشرقية للأمة العربية0 ولاحظوا تنامي الوعي السياسي العربي، الذي كان من نتائجه أن أصبحت الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان مطلباً شعبياً واسعاً، والانتقال نحو التعددية السياسية في كل من مصر وتونس والجزائر والأردن واليمن، والتحرك الشعبي في الكويت مطالباً بعودة الحياة النيابية0 كما نظر المؤتمرون بروح التفاؤل إلى تزايد التقارب العربي وبشائر استعادة اليمن وحدته0
ـ بيد أن هذه الملامح الإيجابية للتحولات العربية المعاصرة لم تخف عن المؤتمرين الأزمة الشاملة التي يعيشها الوطن، وخاصة استمرار احتلال الأرض العربية، وتفاقم سياسة القوة الإسرائيلية وتحديها السافر للإرادة العربية في فلسطين وخارجها 0 بينما تكدس بعض الأنظمة العربية السلاح باهظ التكلفة، ولا توجهه نحو العدو الأساسي، وتحول دون توظيف الإمكانات العربية، وفي مقدمتها النفط، في النضال القومي0 كما استمرت الخلافات العربية تفت في عضد الأمة، كما بين العراق وسوريا ، وبين المغرب والجزائر حول الصحراء0 وما زال لبنان يعيش حرباً ضروساً، وتتهدد السودان حرب أهلية مستعرة0 وتحيط بالأمة بور توتر حرجة على الحدود الشرقية والشمالية والجنوبية ، وتتفجر أزمات حول مصادر المياه مع دول الجوار0 وعلى الصعيد الإنساني، يعاني المواطن العربي من افقار متزايد0 وما برح الشعب العربي يرزح تحت نير القهر الإجتماعي والسياسي، محروماً من حقوقه الإنسانية الأساسية، بل شهدت بعض أقطار الوطن العربي مؤخراً انتكاساً في التجربة الديمقراطية0 كما استشرى الفساد والإفساد في ربوع الوطن0 وهو فساد شامل تخطى العمل السياسي، المعطل أصلاً، ليمتد إلى مكونات الوجدان العربي، أي الثقافة عموماً0 فأجهزة الاعلام والترويج الرسمي تحارب عامة ما هو أصيل لحساب ما هو هجين أو تافه0 ـ إن استمرار الوضع الراهن في الوطن العربي ينذر بكارثة قومية0 ولقد أرجع المؤتمرون تردي حال الأمة إلى عدم قدرة الدولة القطرية على خلق مشروع للنهضة القومية، واختزال القرار العربي في إرادات فردية غير قادرة على تحقيق غايات الأمة، بل وتكرس استلاب الأرض، وتكبيل إرادة الشعب، وتورث التجزئة والتخلف وتهديد الأمن القومي0 إن أنظمة الدولة القطرية العاجزة تقاتل الناس في حاضرها ومستقبلها ، وتشكل بذاتها عقبة في طريق التواصل بين المواطنين العرب؛ فهي تقيم الحدود لمنع عبور الأفكار والأشخاص ورؤوس الأموال، وتعطل التنسيق والتكامل، فإذا سلمت بقدر منه لأغراض تكتيكية، عطلت قيام مؤسساته أو شلت فاعليتها0
ـ وبالمقابل فإن غايات الأمة في التحرير وتقرير المصير، والوحدة، والتنمية المستقلة، وصيانة الأمن القومي، تتطلب رؤية تاريخية تحمل مشروعاً للنهضة في الوطن0 ومناط الأمل في صنع مشروع النهضة هذا هو الشعب العربي، بشرط تحرير طاقاته الخلاقة، وبناء المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي تضمن تعبئة هذه الطاقات لتحقيق غايات الأمة0 ـ ان الوطن العربي يحتل موقعاً فريداً في الكيان الدولي المعاصر0 والعالم يموج بتغيرات بالغة الأهمية، تحمل فرصاً يتعين على العرب انتهازها ، ومخاطر يجب تفاديها0 إلا أن استثمار هذه التغيرات في تحقيق غايات الأمة يتطلب وطناً عربياً حركياً وقادراً0 وعليه، فإن بناء القدرة الذاتية، والتفاعل الإيجابي مع المعطيات الدولية، هو أهم محددات الاستفادة من التطورات العالمية0 ـ ويرى المؤتمرون أن المخطط الصهيوني هو التهديد الأكبر للوطن ومصيره، مما يجعل من الصراع العربي الصهيوني قضية العرب المركزية 0 ويؤكد أن المفتاح الرئيسي لحسم هذا الصراع لمصلحة العرب يتمثل في بلورة إرادة قومية فاعلة من ناحية، وبناء قوة ذاتية عربية، من ناحية أخرى0 وفي هذا الصدد يحيي المؤتمر انتفاضة الشعب العربي الفلسطيني في الضفة والقطاع المحتلين، ويدعو الحكومات العربية والمنظمات الشعبية كافة إلى تقديم أقصى الدعم لضمان صمود الانتفاضة ضد أعتى صنوف العنصرية والعدوانية المدججة بالسلاح0 كما يدعو إلى دعم المقاومة اللبنانية الرائعة، ضد نفس العدو0 كما تبين للمؤتمر خطورة تهجير اليهود السوفييت من أوطانهم إلى إسرائيل وتوطينهم بالأرض العربية المحتلة ، دعماً لقدرات العدوان لدى العدو الإسرائيلي، واستمراراً لاقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من أرضه، وتهديداً إضافياً لحقه في تقرير المصير0 وإذ يدين المؤتمر المخطط الأمريكي لتوجيه هذا التهجير إلى الأرض العربية المحتلة والاستجابة السوفييتية له، يدعو كل القوى الرسمية والشعبية العربية إلى العمل على وقف التهجير في أسرع وقت، وبشتى الوسائل، ودعم صمود شعبنا في الأرض المحتلة في وجه محاولات الاقتلاع، والتمسك بحق العودة، في إطار استراتيجية قومية فاعلة0 ـ وقد ساد المؤتمر اتفاق على أن العنصر الحاسم في تشكيل المستقبل العربي هو إقامة بنية المجتمع على مؤسسات سياسية واجتماعية تكفل تعبئة طاقات الشعب لتحقيق غايات الأمة، في إطار سيادة القانون؛ بما يشمل قيام تعددية سياسية حرة، وضمان تداول السلطة، والتمثيل النيابي السليم عن طريق انتخابات نزيهة، وإنشاء مؤسسات جماهيرية حقة للمجتمع المدني ودعمها، واحترام حقوق الإنسان الأساسية دون تمييز يقوم على العرق أو اللغة أو الدين، واحترام تنوع الأقوام في الوطن العربي والاعتناء بثقافاتهم0 وعلى وجه الخصوص، يطالب المؤتمر بإطلاق سراح سجناء الرأي كافة في الأقطار العربية، أو تقديمهم لمحاكمات عادلة، وبالاحترام الصارم لحق اللجوء السياسي للمعارضين العرب، والسماح بحرية العمل للمنظمات العاملة بمجال حماية الإنسان وتعزيزها0 ـ إن بناء دولة الوحدة العربية هو غاية عليا لنضال الشعب العربي0 وعليه، يدعو المؤتمر الأنظمة العربية والقوى الشعبية في الوطن العربي إلى النضال من أجل تعظيم مساحة العمل التكاملي العربي، وصولاً إلى هذه الغاية0 ويركز في هذا الصدد على دعم الثقافة العربية ومقاومة الغزو الثقافي واللغوي في عموم الوطن، وعلى دعم جميع أشكال العمل العربي الوحدوي، ومقاومة أي توجهات أو مؤسسات، ذات طبيعة انعزالية0 كما يدعو المؤتمر إلى إقرار حقوق المواطنة العربية لكل العرب في أي قطر عربي، وحماية حقوق العرب المقيمين خارج الوطن العربي، وخاصة في مواجهة التمييز العنصري0 ـ ولما كان الخلاف السوري - العراقي يعتبر من أخطر الخلافات التي تترك آثارها السلبية على الأمة العربية بأكملها، فقد ناقش المؤتمر هذا الخلاف وأكد أن حجم الضرر والاستنزاف القومي المترتب عليه في هذه المرحلة بالذات لا يتناسب إطلاقاً مع كل ما توصل إليه المؤتمر حول أسبابه ومصادره، ومن ثم لا يرى المؤتمر مبرراً لاستمراره بأي حال0 ولذلك يطالب المؤتمر الرئيسين السوري والعراقي بوضع حد فوري للخلاف 0 كما يدعو جميع القوى الشعبية، للضغط من أجل هذا الهدف، لأن استمرار هذا الخلاف يؤدي إلى إهدار الطاقات العربية واستمرار عجز الأمة العربية عن استخدام هذه الطاقات في مواجهة أعدائها وتحقيق غاياتها0 ـ وفيما يتعلق بالأزمة اللبنانية، فإن المؤتمر يرى أن الأزمة اللبنانية هي مسؤولية قومية وامتحان جدي وتاريخي لقدرات هذه الأمة وأهميتها لتوفير العلاج الصحي والصحيح لمسألة الأقليات، الدينية منها والعرقية، في إطار المواطنة والمساواة والوحدة الحضارية، وأن استمرار الأزمة يهدد أيضاً بامتداد ما يماثلها إلى أقطار عربية أخرى0 ويؤكد المؤتمر على أن المسؤولية الأساسية عن حل الأزمة هي عربية ولبنانية0 ومن هذا المنطلق يرى أن مقررات قمة الدار البيضاء واتفاق الطائف تمثل الأساس المناسب لحل هذه الأزمة حالياً0 ويدعو الأنظمة والقوى الشعبية العربية إلى وقفة قومية لكفالة تنفيذ ذلك الاتفاق وتمكين السلطة الشرعية من بسط سيطرتها على كل لبنان ودعم تيار الوحدة والسلام فيه وإنهاء الاحتلال الاسرائيلي، والبدء فوراً في النهوض بمسؤوليتهم في إعادة إعمار لبنان0 ـ وقد اعتبر المؤتمر ان استمرار تردي الوضع التنموي العربي يشمل تهديداً خطيراً للمستقبل العربي في ضوء تدني إشباع الحاجات الإنسانية في الوطن العربي من جانب، والأهمية المتزايدة للعامل الاقتصادي في العالم المعاصر من جانب آخر0 وعليه يؤكد المؤتمر على حتمية قيام جهد عربي مخطط ومتسارع لبناء القدرة الانتاجية العربية، في إطار تكاملي متنامي0 ويركز على أهمية الاستثمار في البشر، وخاصة نشر التعليم، وترقية نوعيته، بما يمكن من بناء قدرة تقنية ذاتية تقوم على استيعاب التقانة الحديثة والمشاركة في تطويرها0 على أن يتم ذلك في إطار دعم الهوية الحضارية العربية الإسلامية مع التفاعل الإيجابي مع ينابيع الحضارة الإنسانية0
ـ ان الدين عموماً، والإسلام خاصة، هو أهم مكونات الوجدان العربي0 ويرى المؤتمر أن الدين كان دافعاً للوحدة والتقدم وداعياً للتسامح، ويمكن أن يكون اليوم كذلك0 ان العروبة ليست انفصالاً عن الإسلام، ولكنها الصيغة السياسية المعاصرة لرسالته الحضارية في المجتمع العربي0 ـ ان تحرير الأرض والإنسان والتنمية المستقلة والتوحيد القومي هي لبنات أساسية لضمان الأمن القومي العربي بما يحمي مصالح الأمة ويدعم مشروعاً للنهضة يحقق للعرب المكانة التي يتطلعون إليها في القرن الواحد والعشرين0 ويؤكد المؤتمر أن تحرير الأرض، وحماية حدود الوطن العربي، هي مسؤولية قومية0 وينبغي أن تتجسد هذه المسؤولية في صياغة استراتيجية قومية للأمن، تقوم على جبهة عسكرية واحدة، تضمن مواجهة المخطط الصهيوني والأخطار الخارجية التي تتهدد الأمة0 فلا مجال لقيام أمن قطري أو اقليمي0 فالأمن القومي يكون جماعياً فيحمي الأقطار العربية كلها أو لا يكون، فيظل الخطر محدقا بالأقطار العربية منفردة ومجتمعة0 والجيش للتحرير، وأي جيش لغير هذه المهمة هو عبء على الأمة وليس إضافة لرصيدها0 كما يؤكد المؤتمر على أن الأمن القومي العربي يتعزز بحسن العلاقات مع دول الجوار، على أساس الأمن المتبادل وحماية مصالح الطرفين0 15 - وقد قرر المؤتمرون أن ينعقد المؤتمر القومي العربي دورياً مرة كل عام، وأن تشكل أمانة عامة له من عدد محدود من الشخصيات القومية، تكلف بمهام محددة بين كل مؤتمرين بما في ذلك الإعداد للمؤتمر التالي0 وقرر تكليف اللجنة التحضيرية للمؤتمر الأول بالاستمرار في عملها كأمانة عامة له0 16 - ان المؤتمر القومي العربي الأول ، إذ يحيي نضال الأمة العربية، من تونس بالذات في المغرب العربي الذي دفع غالياً ثمن الحفاظ على عروبته واسلامه واستعادة حريته، يتوجه إلى المواطنين، في كل أرض عربية، بأن يتحركوا ليمسكوا مصيرهم بأيديهم، وليمارسوا التأثير على الأنظمة ، لانتزاع حقوقهم الطبيعية وتحقيق طموحاتهم0 إن الإنسان العربي هو الغاية وهو المرتجى0 وإذا كانت سنوات الهزيمة والخيبة والضياع قد أفقدت المواطن العربي ثقته بالأنظمة والمنظمات، فلا بد من عودته بذاته إلى ساحة النضال ليبني المؤسسات المحققة لآماله0 إن الغد يصنعه أهله، ولا يأتي جاهزاً كمنحة من حاكم، أو متحكم، أو هبة من أجنبي0 إن حاضرنا بائس، فلننقذ مستقبل أجيالنا القادمة0 وليكن إيماننا بمقدساتنا، وقيمنا، وتمسكنا بأرضنا، ووعينا بتاريخنا، وبحقوقنا، وبأهليتنا، طريقنا إلى غدنا الأفضل، إلى وطن عربي يحمي كرامة انسانه وحرية أرضه، ويساهم، بجدارة، في مسيرة الحضارة الإنسانية0
|