|
المؤتمر القومي العربي ARAB NATIONAL CONFERENCE
" بيان الى الامة " البيان الصادر عن المؤتمر القومي العربي الخامس عشر الذي انعقد في بيروت 19-22 ابريل/نيسان 2004
في رحاب مدينَةِ المدائن العربية بيروت : عاصمةِ الإبداع والحرية والمقاومة، التأم "المؤتمر القومي العربي" في دورته السنوية الخامسة عشرة التي حملت اسم دورة "الشهيدين أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وشهداء المقاومة في فلسطين والعراق" للتداول في أوضاع الوطن والأمة – في لحظةٍ من تاريخهما مفصلية وحرجة– قَصْدَ الوصول إلى اجتراح رؤيةٍ سياسيةٍ شاملة تَتَمَثَّل تحديات المرحلة الراهنة، وتقدم أجوبةً برنامجيةً عنها قابلةً للتحول إلى ردود ً ماديةً في مستوى تلك التحديات، وإلى مدخل إلى استنهاض طاقاتٍ في الأمة غنيةٍ وجاهزة بمقدار ما يمكن إدراكُها وتعيينُ السُّبُلِ الأكفل لتمكينها من التعبير عن نفسها وتقديم مساهمتها في الردّ على تلك التحديات. وإذْ ينعقد المؤتمر في مدينةٍ ارتبط اسمُه بها وارتبطت قضيتُها به، ينعقد في سياقٍ تاريخيٍّ وسياسيٍّ بالغِ التميُّز والتعقيد. ففيما يَنْتَصِبُ أكثَرُ من شاهدٍ على أن الوطن العربيّ يشهد حالاتٍ من الصحوة في كيانه ونسيجه، يناظرها في الدليل أنه يعاني من آثارِ مخططاتٍ معاكسة تنهش في ذلك النسيج وتقودُهُ إلى تآكلٍ متزايد. فإلى صحوةٍ وطنية في العراق، تمثلت بإنتقال العراقيين إلى مرحلة جديدة من مراحل كفاحهم ضد الاحتلال عبر انتفاضةٍ شعبية متعاظِمَةِ الاتساع والانتشار، ومقاومة مسلَّحة متزايدة الفعالية والتأثير في صفوف قوى الاحتلال، وانكفاءةٍ أمريكية اضطرارية أمام الإنتفاضة والمقاومة، ثمة مسار من الهجوم المعادي المعاكس يبدأ بالعدوان المركز على حقوق الشعب الفلسطيني – في ما بات يُعْرَف بـ "وعد بوش" – دون أن ينتهي بالارتباك السياسِيّ الرسمي العربي الذي بَلَغَ في الفداحة حدوداً لا سابقَ لها عبّرَت عن نفسها – دراماتيكياً – في صوُرٍ ثلاثٍ من العجز: عجز عن عقد قمةٍ عربية تَقَرَّرَ عقدُها في تونس؛ وعجز عن إبداءِ الحدّ الأدنى من الاحتجاج الرسمي على مجازر الفلّوجة والنجف وغيرهما في العراق، ثم عجزٌ عن الردّ على وقاحة "وعد بوش" لشارون حول مستقبل حقوق شعب فلسطين أو الردّ على جرائم الكيان الصهيوني ضد قادة المقاومة والحركة الوطنية في فلسطين. وإذ بحث المؤتمرُ حال الأمة وجملةَ التحديات الكبرى التي تطرحها الظرفية الدولية والاقليمية المستجدَّةِ خطورةً، وخاصة منذ الاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق، خَلَص إلى تأكيد الرؤى والمواقف التالية:
في الغزوة الاستعمارية الجديدة اعتبر المؤتمر أن الغزوة الاستعمارية ذات النزعة الإمبراطورية الأمريكية، هذه المرة، تستعيد تحديات أشد من التحديات التي فرضتها غزوات مماثلة عرفتها الأمة منذ قرون، وتستوجب بالتالي مقاومة على مستوى الأمة كلها لأن المستهدف في هذه الغزوة ليس قطرا بعينه أو جزءا من الوطن الكبير وإنما الأمة بأسرها. وإذا كانت الحركة القومية العربية قد اضطلعت حينها بدور طليعي في النضال للتحرر من الهيمنة الأجنبية والاستقلال عنها، فإن التحديات الراهنة ينبغي أن تكون مدعاة لتلك الحركة لتستعيد زخمها النضالي، مدركة ضرورة التشارك مع قوى تحررية ناهضة في الأمة لها منطلقاتها المختلفة، وذلك على طريق مواجهة الهيمنة الأجنبية وكل شوائب التجارب السلطوية الاستبدادية. وإذا كانت الحركة القومية تدرك أهمية المراجعة الفكرية والتنظيمية بغية إضافة عناصر راهنة إلى التكوين البنيوي للحركة القومية لتشمل التيارات الإسلامية والليبرالية واليسارية بعامة، فهي تفعل ذلك، لا كرد فعل أني، أو وعي متأخر متأثر بالضغوط، بل بقرار النقد الذاتي المفضي إلى تجديد العمل النضالي وتصعيده إلى مستوى التحديات . وقد عكف المؤتمر في لجان متخصصة على بحث قضايا المراجعة والتطوير الفكريين والتنظيمين، وهو بحث متواصل لا يتوقف مع أنفضاض الدورة. وتأسيسا على تشخيص الظروف السياسية للوطن العربي في ضوء التطورات الدولية، يشدد المؤتمر على أن القضية الرئيسة للحركة القومية العربية هي مقاومة الهيمنة الأمريكية والصهيونية على الوطن العربي، التي تختلف في أشكالها من قطر إلى آخر ، بين احتلال مباشر بقوات محتلة، أو احتلال مقنَع بقواعد عسكرية، أو استتباع للقرار السياسي عبر أنظمة فوقية تصادر الحياة السياسية بأنظمة الطوارئ، وأجهزة القمع، أو تهديد داهم بتفكيك المجتمع العربي إلى مكوناته القبلية والطائفية والمذهبية والعرقية تحت شعارات الإصلاح أو التغيير لإقامة "الشرق الأوسط الكبير ". ويرى المؤتمر أن الاضطلاع بمقاومة الهيمنة الأمريكية والصهيونية يقتضي: 1 - التأكيد على الحق في المقاومة بكل أشكالها، لا سيما المسلحة منها، للاحتلال العسكري وتقديم الدعم لها وحشد التأييد لهذه المقاومة، والعمل على توسيع دائرة الصراع مع عدو الأمة على امتداد المنطقة، ورفض المحاولات الأمريكية المحمومة لوصم المقاومة بالإرهاب. 2 – استنهاض القوى الشعبية العربية وإخراجها من حال الركود القهري بفعل الضغوط الخارجية وواقع الاستبداد والقمع الهادف الى تجفيف موارد المقاومة. 3 – ترسيخ الوحدة الكفاحية بين فصائل المقاومة على امتداد الأمة وعلى اختلاف إنتماءاتها الفكرية والحزبية، واهتماماتها الميدانية، وتطويرها إلى جبهة شعبية عربية للمقاومة والديمقراطية والوحدة. 4 - تعميم ثقافة المقاومة في الأمة، والسعي لتطوير وسائل إعلام قومي قادرة على مواجهة الهجمة الإعلامية المضادة. 5 - توسيع مجال المشاركة في صناعة القرار قطرياً وقومياً. 6 – العمل لتدعيم مؤسسات العمل العربي المشترك وتفعيلها من أجل وقف إنهيار الموقف الرسمي العربي. 7 - الاستفادة من تباينات المواقف الدولية لصالح قضية الاستقلال العربي.
الأمن القومي والقواعد الأجنبية تدارس المؤتمر أوضاع الأمن القومي العربي في ضوء حالِ الاستباحة الأجنبية الكاملة له مُمَثّلَةً بالاحتلال الأمريكي للعراق والاحتلال الصهيوني لفلسطين، وبوجود جحافل الجيوش الأمريكية، ومرتزقتها من جيوش الدول الحليفة لها أو تحت ستار المؤسسات الأمنية، في أراضٍ عربية لا سيما مجأورة للعراق؛ وممثَّلَةً بوجود قواعد عسكرية أمريكية في أراضي ومياه هذه البلدان العربية التي قدمت حكوماتُها وتقدّم كل أشكال الدعم اللوجيستي والمالي للعدوان. وإذ يدين المؤتمر القومي العربي بشدة احتضان عدد كبير من الدول العربية للوجود العسكري الأجنبي في الأراضي والقواعد والمياه، ويعتبر ذلك خروجاً سافراً عن عقيدة الأمن القومي وأحكامها القانونية المعبَّر عنها في ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، يدعو الجامعة ومؤسسة القمة إلى تحمل مسؤولياتها في هذا الشأن، واتخاذ إجراءات صارمة في حق الدول العربية المنتهكة لأحكام الميثاق المتعلقة بالأمن الجماعي العربي، مثلما يطالب دول الجامعة العربية بتفعيل أحكام معاهدة الدفاع العربي المشترك ودعوة وزراء الدفاع العرب إلى الاجتماع لتدارس الموقف وبناء استراتيجية عربية لحماية الأمن القومي، ورفض استفراد أي قطر عربي على حدة. وتوقف المؤتمر أمام المخاطر التي تتهدد الهوية الثقافية لأمتنا العربية والتي يحملها مشروع " الشرق الأوسط الكبير "، داعيا إلى وضع برنامج متكامل لمواجهة هذه المخاطر. كما نبّه إلى الخطر الداهم المتوقع في منطقة الخليج العربي بسبب الخلل المتزايد في التركيبة السكانية والبشرية، داعيا إلى وضع خطط كفيلة لمعالجة هذا الأمر لا سيما من خلال تعزيز العمالة العربية في هذه المنطقة.
فلسطين إذ تؤكد التطورات والأحداث سلامة ما ذهب إليه المؤتمر القومي العربي من أن المقاومة هي الطريق الوحيد لمواجهة الاحتلال، يرى في هذه المرحلة بداهة رفع سقف الموقف الشعبي العربي إلى الحدود القصوى، ومحاذر تبرير الخطاب التسووي الرسمي أو القبول به. إن الرد الشعبي العربي على التحديات هو توكيد الالتزام بالحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني، وهذا ما لا يتحقق إلا بإنتفاضة شعبية عربية عارمة تكسر الجمود والقيود. ورأى المؤتمر أنه على الرغم من وحشية العدوان الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967: من حصارٍ شامل، ومن عزْلٍ كلّيّ، ومن اجتياحاتٍ متكررة للمدن والقرى والمخيمات وتدمير منهجي لبنياتها التحتية، ومن اغتيالاتٍ لقادة المقاومة وأطرها، ومن قتل واعتقالٍ للآلاف من أبناء شعبنا، ومن تدميرٍ مُمَنْهَج للبنى التحتية والحياتية: الاقتصادية والخِدْميَّة، ومن نسفٍ لآلاف البيوت والدُّور ومنها بيوت أسر الاستشهاديين، ومن تشريدٍ لآلاف العائلات في العراء، ومن تقطيعٍ لأوصال الضفة وغزة: الجغرافية والبشرية، وتحويلِ مناطقِها المعزولة عن بعضها البعض إلى معازلَ وأقفاصٍ، ومن قَضْمٍ متزايدٍ للأرض وإقامة مُغْتَصَبَاتٍ صهيونيةٍ عليها، ومن بناءٍ لجدار الفصل العنصريّ يَعْزل أراضي الـ 67 عن أراضي الـ 48 المحتلة ويقضم مساحاتٍ واسعةً من الأولى لِيَضُخَّها في الثانية تَوْسِعَةً لدولة الكيان الصهيوني...؛ ثم على الرغم من تجأوز الإرهاب الصهيوني لخطوطٍ حُمْر في المواجهة بالإقدام على اغتيال الشيخ أحمد ياسين: مؤسّس حركة "حماس"، وعبد العزيز الرنتيسي: قائدها في غزة، والتهديد بتصفية الرئيس ياسر عرفات بعد حصاره ووضعه قيد الإقامة الجبرية في مكتبه في رام الله، منذ ثلاثة أعوام، وتنظيم إنقلابٍ فاشلٍ عليه منذ قرابة العام،... إلخ، ما تزال المقاومة الفلسطينية عصيَّةً على إرادة الكسر الصهيونية، وما يزال القرار الوطني الفلسطيني عصيّاً على التطويع والتنازل عن الثوابت. ولقد بات واضحاً تماماً أن المقاومة، التي تعرَّضت قواعدُها وقياداتُها، وما تزال، للتصفية الممنهجة قد نجحت في استيعاب الكثير من الضربات الصهيونية وامتصاص نتائجها على ما فيها من غرامات إنسانية فادحة، مثلما نجحت في إطلاق مبادرات وطنية – سياسية وقتالية – فعَّالة في مواجهتها، وليس صمودُها في وجه تلك الضربات وتماسُكُ موقفها وقواها حيالها إلا بعضاً يسيراً من وقائع الاستيعاب والامتصاص لها. ولقد كان الأهمَّ في ذلك كله أن المقاومة لم تفقد قدرتَها على إيذاء العدوّ وإلحاق أبلغ الأضرار بأمنه العسكري والنفسي وباقتصاده وبقواه البشرية في ذروة إنفلات عدوانه من كلِّ عِقَال. وليس قرارُ حكومة شارون الإرهابية بفك الارتباط من جانب وأحد بغزة – وهو الإسم الحركيّ للهروب الصهيوني من القطاع – إلا مثالاً على نجاح المقاومة في إرهاق الاحتلال أمنيّاً واستنزافه عسكرياً واقتصاديا ودفعه – بالتالي – إلى "إنسحاب" غير مشروطٍ من غزة الباسلة التي امتنعت عن محأولاتِه اقتحامَها واجتياحَها والتعويض عن ذلك بمحأولات قص أجنحة المقاومة المتمثلة في قادتها. لكن الاحتلال الذي أُجْبِر، تحت وطأة ضربات المقاومة وصمودها الثابت، على اتخاذ قرار "الإنسحاب " من غزة – نظيرَ "إنسحابه" المُهِين من جنوب لبنان قبل قرابة أربع سنواتٍ – لم يكن يرتضي "لإنسحابه" القادم أن يتمّ دون ممارسةِ عقابٍ جماعيّ ضدّ الذين حَمَلُوهِ على اتخاذ قرار الفرار من غزة مَهِيضَ الجناح. ولذلك أَمْطَر غزةً بوابلٍ من العدوان اليومي، وامتدت يّدُه إلى قادة المقاومة ورموزها وأطرها، سَعْياً في الثأر والإنتقام أولاً، ثم أملاً في تثبيط عزائم الشعب الفلسطيني ثانياً. على أن الاحتلال الذي رَاهَنَ على أن يكون إنسحابُه من غزة مناسبة للإيقاع بين فصائل المقاومة، ثم بين هذه والسلطة الفلسطينية، فباءتْ مراهنَتُه بالفشل أمام حرص الأخيريْن على تنظيم أمر إدارة القطاع بعد الجلاء الصهيوني عنه – سَعَى في الحصول على ثمنٍ سياسيٍّ مُجْزٍ مقابل ذلك "الإنسحاب"، وهو ما مُكِّنَ منه من خلال "وعد بوش" المشؤوم القاضي بإسقاط حقّ العودة وتمتيع الكيان الصهيوني بالحقّ في تَوْسِعَة جغرافيته الترابية على حساب مناطق محتلة في حرب العام 1967. وإذ يعبّر المؤتمر عن تضامنه المطلق مع نضال شعبنا العربي الفلسطيني من أجل تحرير أرضه وإقامة دولته الوطنية المستقلة، وعاصمتُها القدس، وعودة لاجئيه إلى أرضهم وديارهم وممتلكاتهم – عملاً بأحكام القرار الأمميّ 194 – يُدين باستنكارٍ شديد موقف الإدارة الأمريكية و"وعد بوش"، ويعتبره عملاً عدوانيا ضدّ الشعب الفلسطيني والأمة العربية، ويناشد كل القوى الحية والديمقراطية في العالم رَفْضَهُ ومواجهتَه بكافة السبل المتاحة، كما يطالب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بتحمُّل مسؤولياتهما في الردّ على هذا الإنتهاك الصارخ للقانون الدولي والشرعية الدولية ذات الصلة وطرد الكيان الصهيوني من الأمم المتحدة، لخرقه السافر لميثاق منظمة الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية. مثلما يطالب الحكومات العربية بعقد القمة في أقرب وقتٍ ممكن للردّ على هذا الوعد البوشي المشؤوم، ومساندة الشعب الفلسطيني عبر فتح الحدود ورفع القيود عن كل أشكال العون المادي والمعنوي لإنتفاضته من أجل تحصيل حقوقه الوطنية ودحر الاحتلال عن أرضه وقطع كل علاقة مع العدو الصهيوني وتفعيل احكام قوانين المقاطعة.. وأخيراً، يدعو المؤتمر فصائل المقاومة والحركة الوطنية والسلطة الفلسطينية إلى استئناف الحوار الوطني الداخلي للوصول به إلى جوامِعَ وقواسمَ مشتركة تُحَصِّن الداخلَ الوطنيَّ الفلسطينيّ في مواجهة العدوّ، وترفع من معدَّلِ قدرةِ هذا الداخل على مواجهة ثقل العدوان الصهيوني – الأمريكي عليه وذلك عبر تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية لتكون قادرة على استيعاب كل القوى الوطنية والإسلامية المدعوة بدورها إلى تشكيل قيادة موحدة لها تواجه سياسيا وميدأنيا التحديات الخطيرة الراهنة داخل الأرض المحتلة. العراق كان لانطلاق المقاومة الوطنية المسلحة للاحتلال الأمريكي – البريطاني، أياماً قليلة بعد غزو بغداد، الآثار الكبيرة في كفّ اندفاعة العدوان، وفي إسقاط الكثير من الأهداف التي تَطَلَّع إلى تحقيقها بالغزو والاحتلال. ففيما كان يَغْمُره شعور الإنتشاء بالظفر في الحرب، هزّت عملياتُ المقاومة اطمئنانه النفسي وأدخلت مشروعَهُ طَوْرَ ارتباكٍ لم يخرج منه حتى اليوم. والأهمّ من ذلك أنها تحولت إلى رافعة حَمَلَتْ قوى متزايدة الاتساع إلى ساحة المواجهة ضدّ المحتل، وضخَّتِ القوَة في ثقة الشعب العراقي بقدراته على دَحْر قوى العدوان وإلحاق الهزيمة بمشروعها. ولم يُكْمِل عام الاحتلال دورتَه حتى أنجبت وقفةُ المقاومة نتائجَها الكبيرة في جسم المجتمع الوطني العراقي. وها هي المقاومة اليوم – بعد عامٍ على الاحتلال – تَتعاظم وتَشِعّ، وتكسب لها الأنصار والسواعد، وتَخْرُجُ من ضَيْقِ سرِّيَّةٍ اضطراريٍّ إلى جهرٍ بالنفس والهوية – في معارك ممتدة من الفلوجة إلى الكوفة، ومن أقصى الشمال العراقي إلى أقصى الجنوب – مقاومة وطنية تَسَعُ الجميع ولا تقدِّم نفسَها عنواناً لفريقٍ من المجتمع دون آخر. وها هو محيط إسنادها السياسي والشعبي – والعسكري أيضا – يتسع فيخرج من أعظمية بغداد والفلوجة وبعقوبة والموصل وكركوك والأنبار إلى مدينة الصدر والكوفة والنجف وكربلاء والناصرية والكوت وميسان والبصرة...
أن الحقائق الجديدة التي أطلقتها المقاومة الوطنية والإنتفاضة الشعبية في العراق عظيمةُ النتائج وبعيدةُ الآثار. فمن إرهاقِ المقاومة أمنَ الاحتلال واستدراجِه إلى نزيفٍ يوميٍّ كثيف، إلى وضع مؤسساته المحلية (التي أنتجها وتَعَهَّدها بالرعاية والحماية، كي تكون واجهةً عراقية – متعاونة – لسلطته) في حالٍ من الإنكشاف والعُرْي الفاضحيْن أمام شعب العراق والرأي العام العربي والدولي، إلى وأْدِ محاولاته الحثيثة للتقسيم وإيقاع فتنةٍ طائفية بين العراقيين: من خلال الضغط على بُنى الاجتماع الأهلي وإعادة تصنيع هُوِيَّاتٍ عصبوية فيها تحوَل العراق من وطنٍ جامع لشعب وأحد موحَّدِ إلى مجتمعِ مِلَلٍ ونِحَلٍ وأعراقٍ وطوائفَ ومذاهبَ وقبائلَ وعشائرَ وبطونٍ وأفخاذ...، كانت المقاومة تسجل أنتصاراتها على الغزوة الاستعمارية الأمريكية وتَرُدُّ جُمُوحَهَا العدواني على أعقابه، وتفرض عليها تراجعات تكتيكية أمام إرادتها الصلبة. وإذا كان الاحتلال قد أقدم على تَعيينِ مجلسٍ حكم محلي ملحقٍ به وتحت إمرته في صيف العام 2003، وعلى السماح بوضع – أو إملاءِ – " دستورٍ" مؤقت ( قانون إدارة الدولة )، وعلى إعلان النية في نقل السلطة إلى العراقيين في الثلاثين من حزيران/يونيو 2004، وعلى طلب النجدة من الأمم المتحدة واستجداء دورها في العراق...، فإن ذلك كلَّه وبالرغم مما فيه من احتيال وتزويرٍ لعناوين الاستحقاقات الفعلية لم يحصل إلا تحت وطأة مقاومة وطنية فاجأتِ الاحتلال بضراوتها وشدّة ضرباتها، وأفسدت عليه كل السيناريوهات التي سَبَقَ ورَسَمَها – مُطْمَئِنّاً – لمستقبل العراق، وفي قلبها سيناريو الإمساك الأمريكي الكامل بمقاليد العراق ومصيره وعدم إشراك الأمم المتحدة فيه، بل وعدم إشراك حتى القوى العراقية المتعاونة معه منذ بدايات تحضيره للعدوأن والغزو.
وإذ يدين المؤتمر بشدة انتهاكات الاحتلال الصارخة وغير المسبوقة لحقوق الانسان في العراق من احتجاز عشرات الآلاف من المواطنين أطفالا ونساء ورجالا، وممارسة أبشع أنواع التعذيب بحقهم، والتي كان من أبرز ضحاياها القائد الفلسطيني الشهيد " أبو العباس"، وتصفية العلماء وملاحقتهم، وانتهاك الحرمات والمقدسات، واغتصاب وقتل الحوامل والأطفال، وإذ يسجّل المؤتمر القومي العربي – بكل فَخَرٍ واعتزاز – وقفة الشرف الوطني التي وقفتها المقاومة والإنتفاضة الشعبية دفاعاً عن كيان العراق وكرامته الوطنية وعروبته الأصيلة، يؤكد دعمه الثابت لخيار هذا الشعب في مقاومة الاحتلال لأنتزاع وطنه من براثن ذلك الاحتلال وممارسته حقَّه في تقرير مصيره حرّاً سيِّداً على أرضه، مثلما يؤكد – مجدَّداً – على مطالبته بجلاء فوري للاحتلال الأمريكي – البريطاني عن العراق دون قيدٍ أو شرط، ليتمكن الشعب العراقي من حقه في استعادة استقلاله وسيادته، وإعادة بناء دولته ومؤسساته الوطنية، كما يؤكد على تمسُّكه الثابت بوحدةِ العراق: شعباً وكيانا، في وجه السياسات التقسيمية المُطِلّة تحت عنأوينَ متعددة مثل الفيدرالية وما شابه. مثلَما يطالب قوى الاحتلال بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت شعب العراق وشهداءَه وبناه التحتية طيلة ثلاثة عشر عاماً من الحصار ومن الحرب العدوانية، وطيلة عامٍ من الغزو والاحتلال، ويرى المؤتمر أنه يتوجب على الأمم المتحدة أن تتحمل مسؤولياتها السياسية والقانونية والأخلاقية في هذا الشأن. ويدعو المؤتمر الدول العربية إلى تحمل مسؤولياتها في الوقوف الماديّ الصادق إلى جانب العراق في وجه المحتل، وإلى الخروج من حالِ الذهول والخوف المستبدة بها، وإلى احتضان مقأومته والقوى الرافضة للاحتلال باعتبارها الممثل الشرعي للشعب العراقي في كل المحافل العربية والدولية وبالتالي رفض مشاركة " مجلس الحكم الأنتقالي " المعين من قبل الاحتلال في أعمال جامعة الدول العربية وقممها .
ويشدد المؤتمر على ضرورة أن تستعيد الأمم المتحدة شرفها وهيبتها المستباحة لكي تنهض بدورها في حماية القانون الدولي وأداءِ دورٍ فاعل في الأزمة العراقية يعيدها إلى محيطها الأمميّ الطبيعي، ويحول دون استخدام هذه المنظمة الدولية كغطاء للاحتلال أو لتنفيذ مهمات عجزت عنها القوات الغازية.
كما يوجه المؤتمر الدعوة إلى الشعوب والحركات السياسية والاجتماعية الحُرَّة في الوطن العربي وفي العالم، كي تنهض هي الأخرى، بمسؤولياتها الأخلاقية في هذه الحرب العدوانية الطاحنة ضد الهجمة الأمريكية على المنطقة العربية والتي تنتهك مشاعر الأمة وتعبث بمصائرها وتستولي على ثرواتها، وتشرع أبواب العراق أمام الاختراقات الصهيونية، وكي تسعى إلى تشكيل هيئة شعبية عربية وعالمية لدعم المقاومة العراقية معنويا وماديا، سياسيا وإعلاميا، وإلى تفعيل حركة المقاطعة العربية والإسلامية للسلع والخدمات الأمريكية والبريطانية. سوريا ولبنان توقف المؤتمر أمام تصاعد التهديدات التي تواجه سوريا ولبنان بما ذلك " قانون محاسبة سوريا " الذي أقره الكونغرس الأمريكي، وترى في تلك الضغوط والتهديدات محاولات محمومة لثني البلدين عن خيارهما الوطني والقومي في قضايا الأمة الرئيسة، وجدد المؤتمر في هذا الإطار تضامنه الكامل مع سوريا ولبنان في مواجهة الضغوط والتهديدات، مؤكدا على أهمية تحصين الجبهات الداخلية لمنع أي استغلال أو اختراق. كما يدعو إلى دعم عربي ودولي للمشروع الذي تقدمت به سوريا من أجل تجريد كل دول المنطقة من السلاح النووي.
السودان والصومال تدارس المؤتمر ما يشهده السودان من منأورات ومحاولات محمومة لعرقلة جهود السلام والوحدة بين أبنائه فجدد تمسكه بوحدة هذا البلد الشقيق وسلامه داعيا أبناءه للوصول إلى سلام عادل يحفظ للسودأن أرضه وهويته ويمكَنه من أداء دوره ورسالته في وطنه العربي وعمقه الأفريقي. كما أهاب المؤتمر بكل الفصائل الصومالية العمل على إنهاء الصراع الدموي الدائر بينها واستعادة وحدة الصومال الذي يشكل موقعا استراتيجيا هاما في إطار الأمن القومي العربي. مشروع "الشرق الأوسط الكبير" كما تدارس المؤتمر مشروع ما يسمى "بالشرق الأوسط الكبير" الذي صاغته إدارة بوش – وتعتزم طرحه على جدول أعمال قمة الدول ألثمان الكبرى في حزيران/يونيو القادم – وَوَقَفَ على جملة الأخطار التي يحملها وتُحْدِق بمصير المنطقة والأمة. وإذ يعتبر المشروعَ إياه صيغةً معدَّلةً لمشروع "الشرق الأوسط الجديد" – الذي طرحه الإرهابي شمعون بيريز وتبنَّتْهُ إدارة بيل كلينتون قبل نحو عشر سنوات – ومحاولةً يائسة لإحياء الأحلاف والمشاريع الاستعمارية الصريعة منذ نصف قرن، يُنَبِّهُ إلى أن هدفَهُ الرئيس هو إسقاطُ الهوية العربية للمنطقَة وإدراجُ الكيان الصهيوني كشريكٍ "أصيلٍ" فيها، وتحويل الدول العربية – فضلاً عن باكستان وإيران وتركيا التي يُدرجُها المشروع الأمريكي ضمن مجال "الشرق الأوسط الكبير" – إلى هوامشَ وملحقاتٍ داخل نظامٍ إقليمي يديره المركز الصهيوني بالوكالة وتتحكم بمقاليده الولايات المتحدة الأمريكية بالأصالة! إن المؤتمر القومي العربيّ، إذ يرفض مشروع "الشرق الأوسط الكبير" وينّبِّهُ إلى الأخطار الكبيرة الناجمة عنه على صعيد هوية المنطقة ومصالح الأمة، يدعو إلى اتخاذ ردٍّ عربيٍّ شاملٍ عليه من خلال إطلاق مشروعٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ (تنمويّ) وثقافي وحدوي عربي يعيد بناءَ النظام العربي وتأهيلَ مؤسَّسته الإقليمية (جامعة الدول العربية) بعد إصلاحها، ويسعى إلى تفعيل مشاريع الوحدة الاقتصادية العربية وفي مقدمها قيام سوق عربية مشتركة، كما يسعى إلى تكامل اقتصاديّ متدرّج يبدأ بإقامة مناطق تجارة حرّة دون أن ينتهي بإقرار عملةٍ عربية موحَّدة ، كما يفتح المجال أمام إنشاء برلمان عربي موحد. الإصلاح السياسي والديمقراطية رأى المؤتمر القومي العربي أن الدولة القطرية قدمت المثال السيئ للدولة المستبدة المصادرة للحياة السياسية، والعاجزة بفسادها عن تحقيق التنمية الشاملة ناهيك عن قدرتها على صون امنها الوطني والقومي، وما كان ذلك ممكنا على مدى العقود الماضية لولا رعاية أمريكية، كانت دائما واضحة في إنحيازها السافر أيضا للعدوان الصهيوني، الأمر الذي يشكل اليوم تفسيرا للأرضية الخصبة المولدة للريبة الشعبية العفوية، بادئ ذي بدء، إزاء دعاوى الإصلاح والتغيير الأمريكية . في ضوء هذه المنطلقات المبدئية والسياسية الثابتة، وفي ضوء الجدل الذي تثيره الضغوط الأمريكية على النخب العربية الحاكمة لدفعها إلى إجراء إصلاحات في النظام السياسي والاقتصادي والتعليمي، والأشكال المتباينة لردود الفعل العربية الرسمية على تلك الضغوط، وما يكتنفُ ردود الفعل تلك من ارتباكات عبرت عن نفسها عشية "إنعقاد" قمة تونس الجهيضة، وكانت في جملة أسباب أخرى وراء إفشال عقد القمة، تدارس المؤتمر أيضا قضايا الإصلاح السياسي والديمقراطية اللذين ظلا على الدوام مطلبا شعبيا عارما. وإذ يهم المؤتمر القومي العربي أن يؤكد على أن مطلب "الإصلاح السياسي" الذي تُشهره الإدارة الأمريكية في وجه النظم العربية ليس مصروفاً لخدمة قضية الإصلاح والديمقراطية في الوطن العربي بقدر ما هو ذريعة سياسية للتدخل في مصائر الكيانات العربية على مقتضى هندسةٍ سياسية رامية إلى إعادة تشكيلها في صورةِ نظامٍ إقليمي جديد هو "نظام الشرق الأوسط الكبير"، فإنه يُنَبِّهُ – في الوقت نفسه – إلى أن الإصلاح والديمقراطية استحقاق داخلي عربي في المقام الأول، وأن أيَّ أصلاح رسمي عربي في هذا الباب ينبغي أن يكون استجابة لمطالب الأمة ومصلحتها الحيوية في الإصلاح لا تنازلاً للأجنبي الذي لا مصلحة له في ديمقراطيةٍ تعيد القرار إلى الشعب والأمة. والمؤتمر، إذ يطالب بوجوب إجراء إصلاحٍ سياسيّ جذري للنظام السياسي والاقتصادي والتعليمي يفتح الباب أمام أنتقال ديمقراطي حقيقي نحو تداول ديمقراطي للسلطة ونحو مشاركة سياسية فعالة للمواطنين في صناعة القرار، ويفتح الباب أمام تنمية متكاملة ومستقلة وتوزيعٍ متوازن وعادلٍ للثروة وسيطرةٍ مباشرة على الثروات والمُقَدَّرَات، وتعليم عصري مرتبط بالتنمية وقادر على تزويد مجتمعاتنا بالقدرة العلمية...، فإنه يعتبر هذا البرنامج الإصلاحي – المنطلق من جدول أعمال عربي مستقل – الردّ القومي الوحيد على الضغوط الأجنبية والجواب التاريخي عن معضلات الاستبداد والفساد والتخلف. وإذ أسفرت مداولات المؤتمر عن ضرورة إطلاق "مشروع إعلان عربي للديمقراطية والإصلاح"، فإن المؤتمر يناشد كافة المثقفين والمفكرين وأهل الرأي وكافة السياسيين والمناضلين في الوطن العربي المساهمة في بلورة مشروع الإصلاح السياسي، وفتحَ حوارٍ شاملٍ وعميق حول هذا المشروع لتحقيق المزيد من التطوير له إلى حيث يصبح رؤيةً برنامجية قومية متكاملة، كما يدعو المؤتمر إلى ضرورة تحديث الميثاق العربي لحقوق الانسان في ضوء ملاحظات الخبراء العرب والتصديق على الاتفاقيات الدولية المتصلة بهذا الأمر. في التنمية العربية والعدالة الاجتماعية تدارس المؤتمر بعناية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية في الوطن العربي ككل، ولاحظ تراجعا ملحوظا في معدلات النمو وتفاوتا متزايدا في توزيع الثروة والدخل واتساعا خطيرة لظاهرة الفساد والإفساد، بما يؤكد الترابط العميق بين واقع الدولة القطرية القمعية التابعة للأجنبي وبين مظاهر الخلل الاقتصادي والاجتماعي. وإذ أكد المؤتمر على أن المعالجة العميقة لمسألة التنمية العربية المستقلة، كما لقضية العدالة الاجتماعية، وبما يتناسب مع التطورات العالمية وظاهرة العولمة بمضمونها الاستعماري التوسعي ومؤسساتها الدولية المعروفة، لا يتم الا من خلال تحقيق تكامل اقتصادي عربي يفعّلُ معاهدات ومؤسسات اقتصادية وتجارية قائمة، كما من خلال قيام أنظمة ديمقراطية تتيح للشعب، عبر ممثليه المنتخبين بحرية ، أن يشارك في صنع القرار وفي المراقبة والمحاسبة، وذلك من أجل كسر الحلقة الثلاثية المقفلة حلقة الفساد، والهدر، والتبعية للخارج التي تشل اقتصاداتنا، وتمنع تنميتها على طريق تحقيق الكفاية والعدل للمواطن، كما تفتح المجال واسعا لاختراق سيادة الوطن واستقلاله وتعطيل إرادته ورهن قراره. خاتمة لقد جاء انعقاد الدورة الخامسة عشرة للمؤتمر القومي العربي دليلا على أنه ما كان ممكنا لهذه التجربة القومية أن تنجح، وعلى مدى عقد ونصف، في الاستمرار على نهجها الوحدوي والثبات على مبادئها القومية والتمسك بقيم الأمة وتراثها لولا إصرار المؤتمر على التمسك بالاستقلالية في المواقف، وبالتنوع في إطار المشروع النهضوي الحضاري الجامع، وبالديمقراطية في الحوار والتوجه والممارسة، وبالمقاومة العربية كأسلوب في مواجهة الهيمنة والقهر والاحتلال الأجنبي، وبالتغيير والتحديث والتطوير في مواجهة الاستبداد والفساد والاختلال الداخلي. وإذ يفتقد المؤتمر في هذه الدورة بعض رواده المؤسسين كالفقيه محمد البصري والدكتور أحمد صدقي الدجاني، وبعض زملائهم الفاعلين ( رحمهم الله)، فإنه يأسف أيضا لعدم مشاركة أعضاء من الذين واكبوا دورات سابقة في أعماله، إما بسبب الاعتقال أو المنع من السفر، ويجدد عهده لأمته على مواصلة مسيرته على طريق وحدة الأمة ونهضتها وتحررها وتقدمها، مستمدا قوته من دماء شهداء الأمة، ومعأناة أسراها والمعتقلين، كما من عزيمة شبابها وخبرة المجربين من أبنائها.
بيروت في : 23/4/2004 المشاركون
|