المؤتمر القومي العربي الخامس
بيروت 9-11 أيار/مايو 1994
لبنان

بيـان إلى الأمـة

يأتي انعقاد المؤتمر القومي العربي الخامس في عاصمة الألم والأمل العربي، بيروت، شهادة جديدة على أنه بمقدار ما يستعيد لبنان عافيته فإن الأمة تستعيد فيه منبراً متألقاً من منابر الحرية والحوار والوعي وميداناً رئيسياً من ميادين الكفاح والمقاومة ومقارعة الاحتلال ومشاريع الهيمنة والإلحاق التي تحاك للأمة ومستقبلها0

وإذا تصادّف مع انعقاد المؤتمر الاندلاع المؤلم لاقتتال عسكري يهدد استمراره بالتحوّل إلى حرب أهلية طاحنة في اليمن، فإن المؤتمر أصرّ على إعطاء الحدث اليمني المتفجر أهمية استثنائية، فخصص جلساته الأولى لمناقشة دلالاته وأبعاده وسبُل الخلاص من مأساته، حيث طالب أعضاؤه بالإجماع بضرورة الوقف الفوري لهذا الاقتتال ودعوا الأمة بكل قواها ومؤسساتها والشعب اليمني الأصيل بكل فئاته وجماعاته الحيّة إلى تحمل المسؤولية في إيقاف هذا الانهيار المريع الذي تتلاقى على تأجيجه عناصر داخلية تتصل بتغليب العقليات الضيقة والمصالح الصغيرة على المصلحة الوطنية العليا، وبالتخلف الفاضح في مستوى الوعي بأساليب إدارة الاختلاف وفق قواعد الحوار والديمقراطية واحترام الرأي الآخر والاحتكام إلى المؤسسات، ومع جهات خارجية هالها أن ترى اليمن موحداً وديمقراطياً وقوياً وقادراً على النهوض الاقتصادي والاجتماعي وعلى انتهاج سياسة وطنية وقومية متحررة من الوقوع في أسر القوى الدولية المهيمنة0

ولاحظ المؤتمر ان الحدث اليمني الأليم على ما يتضمنه من دلالات مرتبطة بالخصوصيات اليمنية إلاّ انه في العمق يختزن مؤشرات خطيرة تتصل باحتمال انتشار مثيله في أكثر من قطر عربي حيث الحروب الأهلية إما معلنة بالفعل أو كامنة تنتظر الظرف المناسب للانفجار، وهو أمر يكشف ان غياب لغة الحوار ونهج الاحتكام إلى المؤسسات الديمقراطية من جهة، وعدم احترام تنوّع الآراء والخصائص والروابط الاجتماعية داخل القطر الواحد من جهة أخرى، يشكّلان التربة الخصبة لتفشي هذا النمط من الحروب على الذات، كما يفسحان المجال للتدخل الأجنبي كي تبلغ تأثيراته حدوده القصوى0

 

 

 

القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني

كذلك تصادف موعد انعقاد المؤتمر القومي العربي مع توقيع اتفاقي باريس والقاهرة بين الكيان الصهيوني وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وقد جاءا في إطار استكمال اتفاق أوسلو واشنطن والشروع في التنفيذ على قاعدة استرضاء حكومة الكيان الصهيوني0

وإذ أكّد المؤتمر على سلامة التوجه الذي أعلنه في البيان الصادر عن دورته السابقة، كما في البيانات الصادرة عن أمانته العامة بخصوص مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو واشنطن، سواء بصدد التحذير من المخاطر التي تنطوي عليها المسيرة الراهنة للمفاوضات بدءاً بمؤتمر مدريد، أو بشأن التمسّك بالحق الكامل للأمة وأجيالها المقبلة، والذي لا يستطيع فرد أو قيادة أو مجموعة أو حتى جيل بمفرده أن يتناول عنه، فإن المؤتمر قد لاحظ ان تعاظم الانتفاضة المجيدة لشعب فلسطين داخل الأرض المحتلة وبلوغ القمع الصهيوني لها أقسى أشكاله، كما تجلى في مجزرة الحرم الإبراهيمي، وتصاعد الاعتراض الذي صدر عن أوساط وهيئات وشخصيات فلسطينية بارزة داخل فلسطين المحتلة وخارجها، قد جاء ليؤكد ان خيار أوسلو لم يكن خيار الشعب الفلسطيني الذي ما زال متمسكاً بحقوقه الكاملة في أرضه وفي العودة وتقرير المصير0 وهي الحقوق التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها حقوق وطنية غير قابلة للتصرف0

ولاحظ المؤتمر أيضاً ان حجم رد الفعل الشعبي العربي والإسلامي، لا سيّما في القطر العربي الأكبر في الأمة (مصر) على مجزرة الحرم الإبراهيمي، هو مؤشر واضح على سلامة الموقف القومي والإسلامي من مسار التسوية المطروح من أساسه0

كما لاحظ المؤتمر أيضاً أن معالم هذا المسار الخطير قد أخذت تتضح يوماً بعد يوم، خاصة في اتجاه دفع الفريق الفلسطيني المشارك في هذا المسار إلى أن يصبح ملحقاً بالفريق الإسرائيلي في مفاوضات مرتقبة مع أطراف عربية أخرى (حسبما جاء نصاً في اتفاق القاهرة)، أو صوب توسيع دائرة التمهيد والترويج لمشروعات نظام شرق أوسطي، يطمح الكيان الصهيوني إلى قيادتها وتوجيهها لمصلحته في الهيمنة الكاملة على مقدّرات المنطقة0

ويسجّل المؤتمر انه مع التوقيع على البروتوكول الاقتصادي بين إسرائيل والمنظمة، تكون إسرائيل قد خطت خطوة أخرى في إضفاء الشرعية على الهيمنة الاقتصادية التي تمارسها على الكيان الفلسطيني الوليد، وتشكيل مقوماته كجسر للعبور إلى الاقتصادات العربية المجاورة0 كل ذلك إبّان المرحلة الانتقالية، وقبل انتقال أية سلطات جوهرية للحكم الذاتي الفلسطيني، من حيث السيادة على الأرض وعلى الموارد، ومن حيث المقومات الاقتصادية للحكم، وبخاصة حرية القرار، والمقدرة على إقامة الحدود الاقتصادية والجمركية بين فلسطين وإسرائيل0 إن النتائج الخطيرة التي تنذر بها تلك التطورات تشمل ما يأتي

1 إعطاء الضوء الأخضر من قبل القيادة الفلسطينية للتطبيع بين إسرائيل والعرب، مما يعني تخلّيها بكل استخفاف عن أقوى ورقة تفاوضية تملكها، ويرتبط بها ما تبقى من أمل في الحصول حتى على الحد الأدنى من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في استعادة سيادته على الأرض والموارد0

2 - إحكام الاندماج بين الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي وجعل الكيان الفلسطيني ضاحية ملحقة بالمركز الصناعي الإسرائيلي0

3 ترسيخ دعائم الاستقلال الاقتصادي لإسرائيل، وفتح المجال لهيمنتها على النظام الإقليمي للمنطقة0

 

إن تفادي تلك المخاطر الجسيمة إنما يتحقق بتأكيد الصفة القومية أساساً للصراع العربي الصهيوني، واعتبار ان ما تنازلت عنه المنظمة من حقوق فلسطينية عربية انما هو تنازل إذعان، ولذلك فلا شرعية قومية له، ولا يبرر لأي طرف عربي التراخي في المقاطعة الاقتصادية وأشكال المجابهة الأخرى للعدوان الصهيوني المستمر في الأراضي العربية المحتلة0 بل ان المطلوب بإلحاح من الأطراف العربية أكثر من أي وقت مضى هو تعويض الاختراق في الجدار الفلسطيني بتصميم مضاعف على المقاومة وزيادة التصلّب في الجدران العربية الأخرى0

وأكّد المؤتمر على أن الموقف المبدئي الحازم المبني على رفض هذه الاتفاقات، وأية اتفاقات مماثلة تفرّط بالحقوق العربية وتنتهك أبسط قواعد التضامن والتنسيق العربي، يفرض على القوى الحية في الأمة الاضطلاع بمهمات محددة على أكثر من صعيد

1 الاستمرار في تعبئة الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي، لتوضيح مخاطر مشروعات النظام شرق الأوسطي على هوية المنطقة العربية والإسلامية كما على مصالحها الحيوية0

2 السعي إلى تأسيس لجان فاعلة في كل قطر عربي وعلى جميع المستويات، لمقاومة التطبيع السياسي والثقافي والاقتصادي مع العدو الصهيوني، وإدانة كل المحاولات التي تجري هنا وهناك، على المستوى الرسمي أو على مستوى الأفراد، للتحلل من أنظمة المقاطعة العربية لإسرائيل0

3 السعي إلى تأسيس مؤتمر جامع للمنظمات العربية غير الحكومية المهتمة بالقضية الفلسطينية، يدعى إلى رسم استراتيجية عمل شعبي على الصعيد القومي، ويكون أداة لخلق رأي عام شعبي مساند للنضال الوطني الفلسطيني وضاغط على الحكومات العربية0

4 التمسك بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني التي أقرتها كل القرارات الدولية وبخاصة حق العودة وعروبة القدس التي يسعى اتفاق أوسلو واشنطن القاهرة إلى تمييعهما أو تجاهلهما، والسعي إلى تشكيل لجان شعبية فاعلة في كل قطر عربي وإسلامي لمتابعة هذين الأمرين وتعبئة الطاقات والقوى حولهما0

5 التأكيد على أن الشعوب العربية، التي لا تشارك في اتخاذ القرارات المصيرية، ليست طرفاً، وبالتالي ليست ملزمة باتفاقات الإملاء والإذعان التي تعقدها حكومات عربية مع حكومة الكيان الصهيوني0

6 التمسك بخيار الكفاح بمختلف الوسائل، ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتوفير أقصى درجات المساندة الشعبية العربية للانتفاضة في فلسطين وللمقاومة في جنوب لبنان، مع التأكيد الدائم على الارتباط الوثيق بين مقاومة المحتل من جهة، وبين تعزيز الوحدة الوطنية داخل فلسطين ولبنان وكل قطر عربي من جهة أخرى0 كما بينهما وبين إشاعة الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان0

 

 

الأمن القومي

لقد تدارس المؤتمر الأمن القومي العربي ولاحظ ان أمن الأقطار العربية، منفردة ومجتمعة، هو في أدنى مستوياته، ربما منذ حصلت أقطارنا على استقلالها السياسي0 فالأقطار العربية مستهدفة من أخطار دولية وإقليمية وداخلية، وهذه الأخطار ليست مجرد احتمالات أو تصورات، وانما هي تقوم في هذا الجزء أو ذاك من الوطن العربي الكبير0 بل ان مقومات وجودنا القومي ذاتها تهددها هذه الأخطار في الصميم، إذ تستهدف وحدة الأراضي العربية وسلامتها، ووحدة الكيان القومي للأمة العربية، وسيادتنا القطرية والقومية على ثرواتنا وعلى قرارنا0

فإذا كان الوجود القومي للأمة العربية، ليس خياراً فكرياً نأخذ به أو نرفضه، بل هو انتماء قومي نعيش واقعه وضروراته حاضراً ومستقبلاً، فإن أمن الأمة العربية كل لا يتجزأ ووحدة الأمن القومي هي في الوقت ذاته، سبيل أمتنا، كما هي سبيل دولنا، إلى أمنها القطري0

ولكل ذلك يؤكد المؤتمر على الخطورة البالغة لتغييب الإرادة القومية، المنطلق الأساسي للأمن القومي العربي0 فقد نتج عن هذا التغييب أخطر ظاهرة كشفت عن نفسها اثر انتهاء حرب الخليج، وتتمثل في إزالة "المرجعية القومية" لهذا الأمن0 وهو ما أدّى إلى ان يصبح الأمن القطري منفلتاً من دائرة الأمن القومي وساعياً وراء الارتباط بمراكز أجنبية0

وإذ غابت أو غيبت "المرجعية القومية" في هذا الميدان الحيوي، وهو ميدان الأمن القومي العربي، فقد أدّى ذلك إلى انهيار كامل لأساس "الشرعية القومية" التي كانت تمثل قوة الدفع للعمل العربي المشترك، والتي كانت تمثل قيداً، واحداً، وأحياناً سدّاً، في مواجهة السياسات القطرية التي يمكن ان تشكل مساساً بقيم الأمة العربية أو مصالحها أو أمنها0

ولقد جاء الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي بدوره لكي يضاعف من حدة الاختلال الاستراتيجي في المنطقة، وبصفة خاصة من الناحية العسكرية0

فلقد تفاقم الاختلال في موازين القوى في المنطقة لمصلحة إسرائيل، وبخاصة نتيجة تزايد الدعم الأمريكي لإسرائيل على جميع المستويات وتعزيز علاقات إسرائيل العسكرية بدول أخرى، فضلاً عن أن المشروعات المقدمة لضبط التسلح بالمنطقة تنحاز بشكل مطلق إلى إسرائيل، وتكرّس تفوقها على القوات العربية0 بينما يفرض الحظر على تزويد بعض الدول العربية بالسلاح جنباً إلى جنب مع استمرار تفكيك الروابط الدفاعية العربية0

ويسجل المؤتمر ان القدرات الدفاعية العربية لم تتعزز رغم ارتفاع الإنفاق العسكري حيث سعت دول عربية إلى اكتساب الصداقات من خلال شراء الأسلحة بدلاً من دعم قواتها المسلحة0 وان العقيدة القتالية في الدول العربية أصبحت مقتصرة على سد الثغرات وإيقاف الاختراقات بدلاً من تبني استراتيجية دفاعية أو هجومية متكاملة0

ويرى المؤتمر انه في ضوء الظروف بالغة الصعوبة التي يتعرض لها الأمن القومي العربي، ضرورة إجراء تنسيق دفاعي بين عناصر المقاومة الفلسطينية واللبنانية والقوات المسلحة في كل من لبنان وسوريا والأردن، ودعم قدراتها الدفاعية، ويدعو الدول العربية ذات الفائض في معدات الدفاع إلى المساهمة في ذلك0

ويثق المؤتمر في ان القوات المسلحة في الدول العربية، وخاصة في دول المواجهة، تعي أهمية وضرورة استمرار العمل على دعم قدراتها الدفاعية لتظل كما كانت سنداً للمقاومة الوطنية ضد كل صنوف الاحتلال0

ويؤكد المؤتمر على أهمية الشروع فوراً في تعزيز الصناعة العسكرية العربية بكافة الوسائل لا سيما رفع مستوى البحث والتطوير الوطني للعلوم والتكنولوجيا، والاستفادة من الأصول العربية الموجودة فعلاً في هذا المجال، مع محاولة الاستفادة من الكوادر الفنية في الدول التي كانت تمثل جزءاً من الاتحاد السوفياتي سابقاً0 وفي سياق ما تقدم فإن رفع الحصار عن كل من العراق وليبيا ضروري لدعم القدرات الدفاعية العربية والأمن القومي العربي0

 

العلاقات العربية العربية

ناقش المؤتمر العلاقات العربية العربية ولاحظ انها تشهد انقسامات وتوترات حادة لم تشهدها من قبل بهذه بالكثافة، وتجري محاولات لمد هذه الانقسامات إلى المستويات الشعبية أيضاً0

فالنظام العربي في أسوأ حالاته، وهو في حالة قريبة من الشلل، بعد ان تعرّض في السنوات الأخيرة بشكل خاص، إلى امتحان كبير، بل محنة كبيرة لم يستطع الخروج منها حتى الآن0 وقد فشل في هذا الامتحان والمحنة الأمن القومي العربي واتفاقية الدفاع المشترك بشكل خاص، ودفعت واندفعت الأنظمة العربية في مواجهة عسكرية مع بعضها البعض، ولم يستطع النظام العربي، حتى الآن، أن يوجد آلية قانونية وسلمية لحل النزاعات العربية العربية، فضلاً عن عجزه عن تحقيق تنمية عربية شاملة، كما زادت تبعيته السياسية والاقتصادية الخارجية0

كذلك فإن نسق القيم في النظام العربي أصابه خلل شديد، وأصبحت بعض المسلمات والثوابت من تلك القيم محل تساؤل وانتهاك صارخ أحياناً0 فلم يعد تحرير الأرض العربية في فلسطين المحتلة هدفاً أساسياً، بعد أن أصبح طلب المفاوضات المباشرة غير المشروطة مطلباً عربياً رسمياً للكثيرين، وازدادت التنازلات لإسرائيل والولايات المتحدة0 ويجري ذلك كله باسم "الواقعية" ووسط حملة إعلامية مكثفة من "التطبيع النفسي" للتعامل مع العدو الصهيوني كادت تحوّل "السلام" إلى "استسلام"0 وللأسف فإن بعضاً من المثقفين العرب يساهم بشكل أو بآخر في حملة "التطبيع" مع العدو0 كذلك فإن الاستقلال الوطني والقومي، الذي ناضل العرب طويلاً وضحوا بالكثير من أجله، لم يعد قيمة مقدّسة، إذ عمد بعض العرب إلى رد الاعتبار للاستعمار والدعوة إلى الوجود الأجنبي على أراضٍ عربية صراحة وعلانية0 فلم تعد لدى الأنظمة العربية عموماً خطوط حمر قومية لا تستطيع تجاوزها، رغم ان تلك الأنظمة مفروضة على شعوبها بشكل أو بآخر0

وفضلاً عن هذه الأزمة الاستراتيجية العامة التي تلف الوطن العربي في مجمله، فإن الدول والشعوب العربية كلها واقعة تحت حصار دولي آثم، تحت ذرائع مختلفة، وبأشكال متباينة0 فهناك حصار التبعية الاقتصادية والسياسية جنباً إلى جنب مع حصار الديون، الذي يشمل أغلبية الدول العربية، وهناك الحصار بدعوى التأديب، كما في حالتي العراق وليبيا، وهناك الحصار بدعوى مساندة الإرهاب، كما في حالات سوريا وليبيا والسودان، وهناك حصار الوجود العسكري الأجنبي المباشر كما في الخليج، فضلاً عن الحصار الذي يستغل التناقضات والتوترات الداخلية في بعض الأقطار العربية، التي بلغت حد الاقتتال، لتنفيذ مخطط تفتيت الأقطار العربية من الداخل وتفكيك الأطراف العربية من الخارج0

وإن المؤتمر إذ يعرب عن تعاطفه التام مع شعب العراق ومعاناته المؤلمة بسبب الحصار الجائز المفروض عليه، الذي لم يعد له بكل المعايير الدولية والعربية أي مبرر على الإطلاق؛ فإنه يطالب بما يلي

1 رفع الحصار عن العراق بشكل كامل وكلي وبدون قيد أو شرط ودعوة جامعة الدول العربية وحكومات الأقطار العربية كافة، وبالذات التي اختلفت مع حكومة العراق لبذل الجهود عربياً ودولياً لوضع حد لهذا الحصار، وفتح الحدود العربية مع العراق وتزويد شعبه الصابر بكل الأدوية والأغذية التي يحتاجها، لحين رفع الحصار الشامل0

2 من منطلق الحرص على العراق ووحدته الوطنية وتماسكه يدعو المؤتمر الحكومة العراقية إلى انتهاج سبُل المعالجة الوطنية والتحول الديمقراطي والانفتاح السياسي والفكري على جميع القوى الوطنية والديمقراطية والقومية في العراق، لأن ذلك يساعد شعب العراق على الصمود الوطني عبر مشاركته السياسية وحرياته الفكرية0 كما يجدد المؤتمر دعوته لإنجاز الحل السلمي الديمقراطي للقضية الكردية بما يصون وحدة العراق وتمتع أكراده بحقوقهم القومية والديمقراطية المشروعة، ويقطع كل الطرق على التدخل الأجنبي الاستعماري في شؤون العراق الداخلية0

ومن المنطلق نفسه يدعو المؤتمر الحكومة العراقية إلى العمل على إيجاد حل نهائي لمسألة "الأسرى والمفقودين الكويتيين"0 كما يدعو الحكومتين الكويتية والعراقية إلى حل قضية الحدود بينهما بالطرق السلمية وفي إطار عربي، مما يساعد على تمهيد الطريق للمصالحة العربية الشاملة0

كما يشدد المؤتمر على أهمية الإسراع برفع الحصار عن الشعب الليبي لا سيّما وقد تخاطبت ليبيا مع النظام الدولي باللغة التي يدّعيها لنفسه وهي تسوية المنازعات بالطرق السلمية، وتقدّمت ليبيا بالفعل بعدة مبادرات سياسية جادة للتعامل مع انعكاسات "أزمة لوكيربي"0

وفي الوقت ذاته يؤكّد المؤتمر ان تعاطفه العميق مع الشعب العربي في ليبيا في قضية الحصار لا يقلل من قلقه العميق فيما يخص المستوى المتدني لاحترام الحكومة الليبية لحقوق الإنسان في مختلف المجالات0

ولقد توقف المؤتمر طويلاً أما "حالة الصومال" التي تعتبر مثالاً صارخاً لمحاولات تفتيت الأقطار العربية وتمزيقها من الداخل0 فقد تحول الوطن الواحد على نحو مفاجئ إلى ساحة للاقتتال المريع، والتدمير الذاتي، جنباً إلى جنب مع انفصال شمال الوطن عن جنوبه، بعد أن كان استكمال وحدة الصومال الكبير، باستعادة الأجزاء الأخرى المغتصبة من أراضيه، هدفاً وطنياً مقدساً لدى الصومال الموحّد0 ولقد هيّأ كل ذلك الظروف المؤاتية للتدخل الأجنبي تحت القيادة الأمريكية التي جاءت تحت شعار "استعادة الأمل" فدمّرت كل عود أخضر للأمل في هذا القطر العربي الشقيق0 وفي مواجهة كل ذلك لا بديل أمام الشعب الصومالي وكل قواه ومنظماته من السعي إلى فرض إرادته ضد دعاة الاقتتال والتدخل الأجنبي، لاستعادة وحدة الصومال وسلامته واستقراره0 وفي الوقت نفسه فإن المسؤولية لها جانبها القومي المؤكد، ولذلك لا بد من أن تبادر إلى تحملها الجماهير والقوى والمنظمات العربية، كما على الحكومات العربية أن تقوم بدورها إزاء دولة عضو في جامعة الدول العربية، وتمد الصومال بما يحتاج إليه من مساعدات من أجل إعادة التعمير0

وإذ يؤكد المؤتمر على خطورة موجات العنف والعنف المضاد أجمالاً، وتصاعد حالات الإرهاب الأعمى في أكثر من بلد عربي، فإنه يؤكد أيضاً أنه لا سبيل للخروج من هذه المحنة الإضافية سوى سبيل الديمقراطية وإتاحة الفرصة المشروعة لكافة القوى الوطنية التي تلتقي على مبادئ التعددية وحرية الرأي والرأي الآخر وتداول السلطة، لكي تنتظم في حوار وطني من أجل استقرار البلاد وتدعيم أمنها، وبالتالي أمن أمتها0

وتوضح حالة الجزائر بالذات أهمية دعم مسار الحوار والمصالحة الوطنية الشاملة من أجل الخروج من الأزمة السياسية التي تدور رحاها داخلها، خاصة وان هذه الأزمة أصبحت باباً للتدخل الأجنبي والفرنسي بالذات في الشؤون الداخلية للبلاد الذي يزيد الأزمة اشتعالاً بدعمه للقوى المعادية لكل حوار ومصالحة، والمعادية في الوقت نفسه لعروبة الجزائر واستقرارها وتقدّمها0

ولا شك في أن الإشارة إلى جامعة الدول العربية تستدعي الحديث عن ضرورة تدعيم فعالية الجامعة0 وهنا ينبغي التأكيد على أهمية تعديل ميثاق الجامعة الذي تمت صياغته منذ العام 1945 عندما كانت الجامعة تضم سبع دول فقط، باعتبار الوحدة العربية، وكل ما يؤدي إليها، الهدف الأساسي للجامعة بمجالسها ومنظماتها كافة، واعتماد مفهوم للأمن القومي العربي في مبناه وفي معناه، يرتبط بين الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية والحضارية، وإنشاء محكمة عدل عربية، واعتماد نظام عربي متكامل للتسوية السلمية للمنازعات مبني على أساس إلزام الدول الأعضاء بعرض خلافاتها أولاً على الجامعة، وإقرار مبدأ المواطنة الاقتصادية القومية، وتقنين نظام مؤتمرات القمة العربية، وإقرار صلاحيات للأمين العام الجامعة لا تقل عن صلاحيات السكرتير العام للأمم المتحدة0

 

التطورات الاقتصادية والاجتماعية

ويلاحظ المؤتمر من متابعته التطورات الاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي، تحقيق بعض الإنجازات الاقتصادية في الصناعة والزراعة، فضلاً عن تطوير قطاعات الخدمات والمعلومات في بعض الأقطار والتقدم إلى مشروعات ثنائية مشتركة، واستكمال حثيث لبعض جوانب البنية الأساسية، والاهتمام بالبيئة وتوسيع حركة عناصر الإنتاج عبر المنطقة العربية، إلى جانب تحسن في الموازنات الحكومية في عدد من الأقطار0 إلاً ان الاتجاه العام لهذه التطورات كان سلبياً، إذ اتصف (الاتجاه) بازدياد حدة البطالة والفقر وتعميق التفاوت في الثروات والدخول، وتفاقم التضخم والفساد، والانخفاض في القوة الشرائية لأسعار النفط، وازدياد حدة الاستهلاك الاستفزازي، وانتشار ظاهرة استيراد أنماط من "الثقافة" الأجنبية الفجة0 ولقد ساهم مجمل هذه التطورات، وبدرجات متفاوتة، في اتساع ظاهرة العنف والعنف المضاد في بعض الأقطار العربية0

ولقد لاحظ المؤتمر ان الأقطار العربية كانت من أكثر البلدان النامية تأثراً بالأزمة الاقتصادية العالمية التي وصلت ذروتها في العام الماضي0 وبدت هشاشة الاقتصادات العربية وأسلوب إدارتها في تفاقم أزمات الديون والبطالة والمياه وتراجع معدلات التبادل البيني للتجارة وكذلك معدلات النمو والاستثمارات ارتباطاً بأسعار النفط0 هذا فضلاً عن غياب التنسيق العربي في الأوبك، وفي مواجهة تطورات مثل اعلان مبادئ غزة أريحا واتفاقية الغات وآثارها، وغياب التكاتف أمام توجهات مالية وبيئية عالمية أو لمواجهة أوضاع مأساوية إنسانية في بعض الأقطار العربية0 وكانت أكثر الأمور وضوحاً التخلي عن وضع خطط تنموية للمواجهة، وعدم الاستثمار في رهانات على المستقبل في نظم التعليم والتدريب وطاقات البحث العلمي والتطوير التقني وزرع تقانات حديثة عالية والاهتمام بالمعلومات كمدخل في العمل الإنتاجي0 وارتبط كل ما سبق بأوضاع اجتماعية وتوزيعية وقيمية ومشاركة جماهيرية تزداد تدهوراً، مهددة الاستقرار المجتمعي والقدرة على مقاومة المخططات الخارجية لإلحاق الاقتصادات العربية بالمراكز الرأسمالية بما يهدر العديد من الفرص أمام خلق تجمعات أكبر وأكثر صلابة في طريق تنمية مطردة ومستقلة0

وعلى الرغم من تعدد المشكلات وتشابكها، إلاّ انه ما زالت أمامنا منافذ للحد من تأثيراتها السلبية من خلال التنسيق والتكامل العربي، ومن خلال تعديل سياساتنا لتأخذ الأبعاد الاجتماعية ومشكلات تدنّي مستوى معيشة عديد من المواطنين العرب مكانها المحوري0 وهنا يشدد المؤتمر على ضرورة استعادة رؤوس الأموال وعوائد النفط المتراكمة في الغرب، إلى المنطقة العربية لتقوم بدورها في خطة للتنمية القومية0

ان المؤتمر يرى ان الرهان التنموي المستقبلي يتطلب مراجعة علمية غير متحيزة لعلاقة الدولة بالمواطن ومسؤوليتها عن خلق ظروف الاستقرار والابداع والتنسيق العربي الفعّال0 كما يرى الدور الإيجابي الذي يمكن ان يلعبه تفادي العنف السياسي المهدر للطاقات القائمة، والذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص والثقافة والإعلام في ذلك، كما يتطلب وضعاً خاصاً تحميه وتشرف عليه الدولة في صناعة السلاح ودعم الصناعات الحديثة عالية التقنية وتحديث نظم التعليم والتدريب، فضلاً عن تهيئة استراتيجيات قطرية متسقة وإقليمية عربية لتحقيق هذا الغرض0

وفي هذا المجال يستذكر المؤتمر موقفه حول المبالغة في الإلحاح على الدعوة إلى التخصيصية الذي أعلنه في دورته الرابعة حيث ذكر "أن هذه الدعوة التي تسود في العديد من البلدان العربية (والتي تم الشروع في تنفيذها بالفعل) لا تتعلق كثيراً باعتبار "الكفاءة الاقتصادية" و"الربحية"، بل هي تمثل في هذا التوقيت بالذات ضرورة سياسية وايديولوجية لإضعاف الدور الوطني للدولة في عملية التوجيه الاقتصادي لعمليات التنمية والقرارات الاستثمارية الرئيسية وتسهيل عملية استيلاء الشركات الدولية على فروع النشاط الاقتصادي الرئيسية وبالتالي تسهيل عملية إعادة هيكلة الاقتصادات الوطنية، وذلك في إطار مشروع النظام شرق الأوسطي الاقتصادي الجديد"0

كما يؤكد المؤتمر أن سياسات تصحيح البنية الاقتصادية التي تدعو إليها المراكز الرأسمالية وتعمل على تنفيذها أساساً عبر المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي تهدف إلى تعميق الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي0 لذلك يدعو المؤتمر إلى تبني استراتيجية للتصحيح البنيوي تهدف إلى إشباع الحاجات الأساسية للناس وحل مشكلتي الفقر والبطالة وتسهيل التكامل الاقتصادي العربي وتحقيق درجة عالية من التنمية المستقلة، وذلك عبر سياسات تهدف إلى إعطاء القطاع العام والتخطيط دوراً أساسياً في عملية التنمية، وتتطلع حسب الإمكان إلى تنمية الصناعات المنتجة لوسائل ومستلزمات الإنتاج، وترنو إلى تحقيق درجة معتبرة من العدالة في التوزيع، وتروم تقليل الفجوة بين كلٍ من الإدخارات والاستثمارات الوطنية، وتسعى إلى الحيلولة دون نزوح رؤوس الأموال للخارج؛ مع كل ما يؤدي إليه ذلك من التخفيض من حدة التبعية للخارج وإنهاء تبعية قرارنا السياسي والاقتصادي للمراكز الامبريالية0

 

الديمقراطية وحقوق الإنسان

وفي استعراضه لأوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي خلال العام الأخير، سجل المؤتمر ركود هذه الأوضاع بل وترديها المتزايد مما يبعث على المزيد من القلق تجاه مصير الحقوق والحريات العامة، وتجاه الاستقرار السياسي في معظم الأقطار العربية0 فعلى الرغم من إجراء الانتخابات المحلية والنيابية والرئاسية في بعض الأقطار العربية، إلاّ أن حاصل هذه التجربة كان فادحاً أو مخيباً للآمال أو مشوباً بالتردد، ولم يكن ليرقى إلى مستوى الاستجابة إلى مطالب التطور الاجتماعي والسياسي في هذه الأقطار0 فيما ظلت ساحات سياسية عربية أخرى مقفلة أمام أي لون من ألوان الانفتاح السياسي، الأمر الذي نجم عنه تراكم متزايد لمعاناة المجتمع من تفاقم نزعة التسلط، وميل بعض فصائل المعارضة السياسية إلى العنف بما يهدد بزعزعة التوازن والاستقرار والإطاحة بوحدة الكيانات العربية0

لقد اتسع نطاق الانتهاكات لحقوق الإنسان في الوطن العربي ليشمل إلى جانب مصادرة حقوق المواطنين في الانتخاب والترشيح وتشكيل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، اتسع ذلك النطاق ليشمل الاعتداء الجسدي المادي على المواطنين بالاعتقال دون محاكمة لمدد طويلة، والاعدامات بعد محاكمات صورية، وحرمان المعتقل، والموقوف السياسي من حق الدفاع عن النفس أمام المحاكم الشكلية التي تعد باسم قوانين الطوارئ وأمن الدولة أو المحاكم العسكرية0 كما امتد هذا الانتهاك لحقوق الإنسان إلى حق المواطن في العودة إلى وطنه واحتجازه ومنعه من السفر في حالات أخرى0

ولقد دفع المجتمع العربي، بسبب تضخم النزعة التسلطية لدى الدولة، وميلها إلى مزيد من القمع، ثمناً فادحاً من حرياته العامة والفردية إذ ارتفع معدل إهدار هذه الحريات بمناسبة الصراع الطاحن بين قوى القمع وقوى المعارضة المسلحة، حيث سقط الآلاف من القتلى من الطرفين في أكثر من قطر عربي، وارتفعت أعداد ضحايا القمع من سجناء الرأي في البلدان العربية، وزاد التضييق على حريات الصحافة وتشكيل الأحزاب والجمعيات، وبات انعدام الضمانات القانونية لضحايا القمع قانوناً رسمياً في سلوك الدولة تجاه المجتمع0

والمؤتمر إذ يعبّر عن مساندته المطلقة لضحايا القمع في الوطن العربي، وإذ ينبّه إلى خطورة التمادي في إطلاق آلة القمع، وإذ يناشد كل القوى الحية في الأمة للوقوف بحزم في وجه هذا التسلط الوحشي المنفلت من كل عقال، يطالب بوقف هذه الحرب الشرسة ضد الحريات العامة وحقوق الإنسان في الوطن العربي، وباحترام المواثيق والعهود الدولية التي وقعت عليها بعض الدول العربية، والتي تكفل تلك الحقوق والحريات0 كما يطالب بتمكين الشعوب العربية من حقها في إدارة الشؤون العامة، بما في ذلك إقرار مبدأ المشاركة السياسية، والاقتراع النزيه، والتداول السلمي للسلطة وتنظيم معارضة يكفل القانون حقها في الوجود والتعبير عن رأيها بالوسائل الديمقراطية0 كما يطالب المؤتمر بإطلاق سراح المساجين السياسيين العرب في السجون العربية، ويطالب المؤتمر أيضاً بتطوير أوضاع حركة حقوق الإنسان في الوطن العربي والنهوض بها، وتعميم مؤسساتها في الأقطار التي لم تتأسس فيها أطرها التنظيمية بعد، وبتطوير التنسيق بينها وبين المنظمة الدولية الحقوقية ذات المصداقية0

لقد توقف المؤتمر طويلاً أمام حالات فردية بعينها، لأنها تعبّر في جوهرها عن حالة عامة في أكثر من بلد عربي، بشأن العلاقة بين السلطة والمثقفين قادة الرأي، ويخص بالذكر منهم ثلاث حالات الأستاذ منصور الكيخيا الذي اختفى من مصر في ظروف غامضة وما يزال مصيره مجهولاً حتى الآن والذي أصدرت الأمانة العامة للمؤتمر بياناً حوله، والدكتور علي خليفة الكواري من قطر الذي سحب منه جواز سفره ومنع من مغادرة بلاده لأكثر من عامين حتى الآن والذي طالبت الأمانة العامة السلطات القطرية أكثر من مرة بإعادة جوازه إليه، والدكتور منصف المرزوقي الذي كانت كل جريرته في عرف السلطة التونسية انه تصور إمكانية مباشرة حق من حقوق المواطنة في بلد يدّعي التعددية ويرشح نفسه لانتخابات الرئاسة، رغم ان نتيجتها كانت معروفة سلفاً0 إن هذه الحالات تؤكد ان سجل الحكومات العربية في مجال حقوق الإنسان يزداد سوءاً، وانها بذلك تؤدي بشكل مباشر إلى تعميق الأزمة السياسية في بلادها، وتفتح الباب واسعاً لزعزعة الاستقرار وتهديد الأمن الذي تتصور انها تحميه أو حتى تحمي نفسها0 ويؤكد المؤتمر مطالبته السابقة للسلطات المصرية بإعلان كافة التفصيلات المرتبطة باختفائه وبالتحقيقات المرتبطة بهذا الموضوع0 كما يؤكّد مطالبته السلطات القطرية بإعادة جواز سفر الدكتور علي خلفة الكواري0 كما يطلب من السلطات التونسية الإفراج عن الدكتور منصف المرزوقي0

 

العرب والعالم

استعرض المؤتمر التطورات التي تشهدها الساحة الدولية والتحولات الجارية الآن على مستوى النظام السياسي الدولي، والنظام الاقتصادي الدولي0 وقد لاحظ المؤتمر مدى التدهور السياسي وعدم الاستقرار في عدد متزايد من دول العالم، وخصوصاً الدول النامية0 ويحذّر المؤتمر من عواقب إهمال هذه الظواهر، إذ تحمل خطر امتداد آثارها وتأثيراتها إلى المنطقة العربية0

ونظراً إلى ما ينطوي عليه الوضع العالمي من توجهات وسياسات جديدة، يندد المؤتمر بالضغوط المتزايدة عدداً وثقلاً التي تمارسها بعض الدول الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، على الأقطار العربية لتغيير سياساتها الداخلية والإقليمية0 وينبّه المؤتمر إلى خطورة الانصياع لهذه الضغوط، حيث انها تتناقض تناقضاً جذرياً مع مصالح الشعوب العربية وهويتها وقيمها ومجمل مستقبل الأمة، ولأنها تراعي في الأساس مصالح أطراف وقوى غير عربية بل ومعادية لحرية الأمة العربية وتقدّمها ومستقبلها الوحدوي0 وإذا تحقق التغيير نتيجة هذا النوع من الضغوط، فالنتيجة الحتمية مزيد من عدم الاستقرار السياسي، ومزيد من التشوهات الاجتماعية والاقتصادية، وتعريض الأمن القطري والقومي لأخطار جسيمة0 إن الواقعية السياسية بمعناها المنضبط تفرض على كل القوى السياسية في الوطن العربي ضرورة التمييز بين عواقب يمكن تداركها وعلاجها، إذا رفضت الأقطار العربية الانصياع لهذه الضغوط، وبين عواقب لا يمكن تداركها أو علاجها إذا هي استجابت للضغوط ورضخت للتغيير الذي يخدم أطرافاً وقوى غير عربية على حساب المصالح القطرية والقومية العربية0

من هنا يدعو المؤتمر القوى السياسية في الوطن العربي إلى تغليب الموضوعية والواقعية جنباً إلى جنب مع الصلابة عند التعامل مع القوى الكبرى، ومع الولايات المتحدة بشكل خاص0 إذ يؤكّد الواقع فشل القوى الغربية في التعامل الإيجابي مع كل بؤر الصراعات الدولية الراهنة بما يخدم قضية الأمن والسلم الدوليين0 هذا الفشل يعبّر عن حال عجز متزايد، ولكنه يعبّر في الوقت نفسه عن الخطورة الناجمة عن إحساس بعض القوى السياسية العربية بالضعف إزاء ما تتصوره قدرة فائقة للولايات المتحدة على قيادة العالم وحل مشكلاته وتسوية صراعاته0 ان الاستعجال في اتخاذ قرارات مصيرية بسبب هذا الإحساس سيعود بالضرر الوخيم على هذه الأمة بل وعلى هذه القوى السياسية ذاتها0

كذلك يلاحظ المؤتمر ان الفوضى الدولية الراهنة تنذر بالتفاقم والاتساع0 ويواكب ذلك احتمال كبير لبروز قوى إقليمية مهيمنة تتولى مهمة تنظيم عمليات الأمن الإقليمي في المرحلة القادمة0 فدول أفريقيا الجنوبية مرشّحة لأن تستقطب مع دولة جنوب أفريقيا بعد ان زالت المقاطعة عنها0 كما تتعرّض الدول العربية لضغط للدخول في تجمع يتمحور حول إسرائيل0

وفي إطار الضغوط التي تبذلها القوى الكبرى لإحداث تحولات داخلية سياسية واقتصادية في الدول النامية اجمالاً، ينبّه المؤتمر إلى خطورة التطورات القادمة بشأن النواحي الاجتماعية0 فبعد ان تم تغليب الأحادية في أساس النظام السياسي تحت عنوان الديمقراطية، وفي أساس النظام الاقتصادي بدعوى تغليب قوى السوق والليبرالية الاقتصادية، يجري الآن سعي إلى توحيد الأساس الاجتماعي0 وأول بادرة لذلك مؤتمر قمة التنمية الاجتماعية الذي تنظمه هيئة الأمم المتحدة، في العام القادم بمناسبة مرور خمسين عاماً على انشائها0 والأخطر من ذلك ان تختزل النواحي الاجتماعية لعدد من القضايا مثل الفقر والبطالة والفئات المهمشة فيما يطلق عليه الاندماج الاجتماعي0 وتمضي المحاولة في النهج الذي ساد النشاط الدولي في المجال الاجتماعي وهو التركيز على فئات بعينها (كالأطفال أو المرأة أو الأقليات) وإهمال جوهر التنمية وهو الهيكل الاجتماعي المحقق للديمقراطية والتنمية المستقلة، ولذلك فإن المؤتمر يلفت الانتباه إلى خطورة ما يمكن ان يوقّع عليه الملوك والرؤساء العرب كإعلان عالمي0 كما يؤكد على ضرورة دعوة المنظمات والمراكز المعنية لصياغة إعلان عربي للتنمية الاجتماعية يؤكد الهوية الحضارية الثقافية للأمة العربية0

ويؤكد المؤتمر على أهمية إصلاح الأمم المتحدة وإعادة هيكلة مؤسساتها على نحو يضمن فعاليتها وترشيد قراراتها وديمقراطيتها0 كما يود المؤتمر أن يلفت نظر الدول العربية إلى أهمية تنسيق مواقفها بالنسبة إلى هذه القضية، وخاصة ما يتعلّق منها بتوسيع نطاق العضوية في مجلس الأمن كي تتمكن المجموعة العربية من ضمان تمثيل دائم لها في هذا المجلس0

وفي إطار النظر إلى العرب في دائرتهم الحضارية الأوسع، رصد المؤتمر الاستقرار النسبي لعلاقات الدول العربية مع كل من إيران وتركيا0 على الرغم من استمرار مشكلات المياه والمضايق والمعارضة السياسية والجزر العربية المحتلة، فقد تبلورت بعض مظاهر التعاون الثقافي والاقتصادي والعسكري بين عدد من الدول العربية وتركيا وإيران وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة0

ولذلك يؤكد المؤتمر على ضرورة تطوير الجوانب الايجابية مع هذه الدائرة الحضارية التي تمثل في الوقت نفسه عمقاً استراتيجياً للأمة العربية، بما يضمن المصالح المشتركة للطرفين، ويصون الروابط الروحية والحضارية العميقة التي تربط بينهما0 وبهذا التوجه يمكن التوصل إلى تسوية للمشكلات القائمة مع إيران أو تركيا، وفي الوقت نفسه تفويت الفرصة على المحاولات الغربية الرامية إلى إشاعة التوتر بين العرب ودائرتهم الحضارية، بغية إحكام السيطرة على موارد المنطقة كلها وقرارها ومستقبلها0 كذلك فإن توثيق هذه العلاقات قد يساعد في ظروف معينة، ووفق شروط محدودة، على مواجهة مشروع النظام شرق الأوسطي0

كذلك فقد استعرض المؤتمر بإمعان واقع العلاقات العربية الافريقية، وتوقف طويلاً أمام العوامل التي تعوق تطورها، رغم ان التعاون في تلك الدائرة لا بديل منه لمواجهة سياسات الهيمنة الغربية، والنتائج المترتبة على اختلال التوازن الدولي الراهن وفي مقدمتها تقلّص هامش المناورة المستقلة أمام الدول العربية والأفريقية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي من ناحية، وتدهور مكانة الدول العربية في النظام العالمي الراهن وتراجع أهمية قضاياها نظراً إلى تزايد اعتمادها على الغرب من ناحية ثانية، وتراجع أهمية افريقيا بعد تراجع الصراع الايديولوجي وتضاؤل الاستثمارات المتجهة إليها بما يؤدي إلى تعميق ثنائية "الفقر والغنى" على مستوى الدول وعلى مستوى العالم من ناحية ثالثة0

وفي السياق نفسه، يلفت المؤتمر الانتباه إلى ضرورة الاهتمام بمنطقة غرب وشرق أفريقيا اللتين تمثلان امتداداً طبيعياً وحضارياً واستراتيجياً للوطن العربي، فضلاً عن ارتباط تاريخها، بانتشار القيم الثقافية والدينية العربية والإسلامية، كما انها ظلت دوماً سنداً ونصيراً للقضية الفلسطينية0 ويعبّر المؤتمر عن قلقه حيال ما تتعرض له الجاليات والأقليات العربية الموجودة بكثافة في غرب أفريقيا بصفة خاصة، من اضطهاد في حقبة تتميز بعدم الاستقرار السياسي، والإفلاس الاقتصادي، والاختراق الأجنبي0

 

* * *

ان المؤتمر القومي العربي كمؤسسة شعبية مستقلة على الصعيد القومي إذ يتطلع في استراتيجيته إلى مشروع شامل للنهوض القومي، فإنه يطالب ويدعو إلى توحيد القوى، والمواقف، وتحقيق كل ما من شأنه حشد قوى وطاقات الأمة، وإيجاد صيغ التكامل والتعاون والتفاعل والانفتاح بين الأقطار العربية0

إن الرد على التحديات القائمة والمشاريع الاستعمارية الجديدة يدعو إلى ضرورة الارتفاع إلى مستوى المسؤولية القومية دفاعاً عن مصالح الأمة ومستقبلها المهدد بالاختراق، كما يدعو إلى تحقيق خطوات اتحاد وتوحيد بين الأقطار المهددة بالمخاطر والاختراق المباشر، وإلى التجمع والتوحيد في كل المواقع والمستويات0 وإذا كانت الديمقراطية هي القاعدة والمنطلق الذي لا بد منه ولا بديل عنه لحشد وتوحيد الطاقات الوطنية، وللنهوض بالمجتمع وبإرادته وتحصينه في مواجهة الاختراق والتطبيع، فإن فتح الحدود وتحقيق التعاون والتكامل بين الأقطار العربية هو الذي يضمن التفاعل السياسي والاقتصادي ويعيد روح التعاون والتضامن على المستوى القومي0

 

المشاركون في المؤتمر القومي العربي الخامس

(العراق/انكلترا)

(تونس/فرنسا)

(فلسطين/لبنان)

(البحرين)

(فلسطين/مصر)

(تونس)

(موريتانيا)

(مصر)

(لبنان)

(السودان)

(المغرب)

(لبنان)

(لبنان)

(فلسكين/لبنان)

(فلسطين/الأردن)

(لبنان)

(العراق)

(سوريا)

(مصر)

(لبنان)

(لبنان)

(سوريا)

(سوريا)

(الجزائر)

(مصر)

(الأردن)

(المغرب)

(العراق/الأردن)

(العراق/لبنان)

(العراق)

(السعودية)

(مصر/كندا)

(لبنان/انكلترا)

(لبنان)

(سوريا/لبنان)

(لبنان)

(المغرب)

(لبنان)

(لبنان)

(العراق)

(الأردن)

(فلسطين/لبنان)

(الجزائر)

(الأردن)

(العراق/انكلترا)

(السودان/انكلترا)

(فلسطين/لبنان)

(مصر)

(العراق/انكترا)

(سوريا)

(الأردن)

(مصر)

(العراق/لبنان)

(المغرب)

(الصومال/مصر)

(موريتانيا)

(لبنان)

(السعودية)

(مصر)

(سوريا)

(لبنان)

(العراق)

(المغرب/الأردن)

(لبنان)

(مصر)

(الجزائر)

(لبنان)

(لبنان)

(تونس/لبنان)

(فلسطين/لبنان)

(فلسطين/لبنان)

(مصر)

(لبنان)

(لبنان)

(السعودية)

(مصر)

(مصر)

(سوريا)

(المغرب/فرنسا)

(لبنان)

(مصر)

(مصر)

(اليمن)

(مصر)

(مصر)

(لبنان)

(مصر)

(تونس)

(الجزائر)

(مصر)

(السودان/لبنان)

(الجزائر)

(لبنان)

(لبنان)

(سوريا)

(المغرب)

(فلسطين/الأردن)

(السودان)

(سوريا)

(لبنان)

(مصر)

(لبنان)

(العراق)

(فلسطين/تونس)

(لبنان)

(لبنان/مصر)

(العراق)

(الإمارات)

(فلسطين/لبنان)

د0 إبراهمي علاوي

د0 أحمد بن صالح

أ0 أحمد حسين اليماني

أ0 أحمد الشملان

د0 أحمد صدقي الدجاني

أحمد نجيب الشابي

د0 أحمد الوافي

د0 اسماعيل صبري عبدالله

د0 الياس سابا

أ0 أمين حسن عمر

أ0 أمينة البقالي

الأب انطوان ضو

أ0 انعام رعد

د0 أنيس صايغ

أ0 برهان الدجاني

أ0 بهاء الدين عيتاني

أ0 ثامر الشيخلي

د0 جمال الأتاسي

أ0 جميل مطر

أ0 جهاد الزين

أ0 جوزيف مغيزل

د0 حسان مريود

أ0 حسن اسماعيل عبد العظيم

أ0 حسن بشاني

أ0 حسن نافعة

أ0 حمد الفرحان

أ0 خالد السفياني

د0 خلدون ساطع الحصري

د0 خير الدين حسيب

أ0 دريد سعيد ثابت

أ0 ربيع عيسى السعدون

أ0 رشاد انطونيوس

د0 رغيد الصلح

أ0 رفعت النمر

أ0 رياض الريّس

د0 رياض قاسم

أ0 زهور العلوي

د0 ساسين عساف

أ0 سايد فرنجية

د0 سعد ناجي جواد

أ0 سليم الزعبي

أ0 شفيق الحوت

أ0 الصادق بغوش

د0 صالح ارشيدات

أ0 صباح المختار

د0 صفية صفوت

أ0 صلاح صلاح

أ0 ضياء الدين داوود

أ0 ضياء الفلكي

أ0 طارق أبو الحسن

د0 طاهر كنعان

اللواء طلعت مسلم

أ0 عبد الإله أمين

أ0 عبد الإله بلقزيز

د0 عبدالله آدم

أ0 عبد الله السيد ولد أباه

أ0 عبد الرحيم مراد

د0 عبد العزيز عبدالله الصالح

د0 عبد المنعم المشاط

د0 عدنان شومان

د0 عصام نعمان

أ0 عصمت بكر الطائي

د0 علي أومليل

د0 علي حسن

د0 علي نصار

د0 عمار بن سلطان

أ0 عمر حرب

أ0 غازي العريضي

أ0 غسان بن جدو

أ0 فتحي الشقاقي

أ0 فضل شرورو

أ0 فهيمي هويدي

د0 قسطنطين زريق

أ0 كريم مروة

د0 متروك الفالح

د0 مجدي حماد

أ0 محسنة توفيق

د0 محمد الأطرش

أ0 محمد البصري

السيد محمد حسن الأمين

د0 محمد سعد أبو عامود

أ0 محمد سيد أحمد

د0 محمد عبد الملك المتوكل

أ0 محمد عروق

أ0 محمد فايق

أ0 محمد قباني

د0 محمد محمود الإمام

د0 محمد المسعود الشابي

أ0 محمد نور الدين جباب

أ0 محمود المراغي

د0 مصطفى خوجلي

أ0 مصطفى نويصر

أ0 معن بشور

أ0 منح الصلح

أ0 منصور الأطرش

د0 المهدي المنجرة

أ0 ناجي علوش

د0 ناصر السيد

أ0 نصر شمالي

د0 نقولا زيادة

د0 نيفين مسعد

أ0 هاشم قاسم

أ0 هاني أدريس

أ0 هاني الحسن

أ0 هاني فاخوري

د0 هدى زريق

د0 وميض نظمي

د0 يوسف الحسن

د0 يوسف صايغ

 

المؤتمر القومي العربي

يندد بإعلان انفصال الشطر الجنوبي من اليمن

 

أدلى مصدر مسؤول في الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي بما يلي

 

ان الخطوة الانفصالية التي أقدم عليها بعض القيادات اليمنية في الشطر الجنوبي في محاولة لضرب الوحدة اليمنية التي قامت قبل أربع سنوات ولإعادة الأمور إلى حالة التشطير والتناحر، لا تشكّل طعنة لإرادة الشعب اليمني وتمسّكه الصارم بالوحدة فحسب، بل تشكّل أيضاً خروجاً فاضحاً على الدستور والمؤسسات الشرعية التي ارتضاها الشعب اليمني عبر استفتاء وانتخابات نيابية نزيهة وحرة0

لقد علّمتنا التجارب الوحدوية للأمة ودروسها ان الانفصال لم يكن في يوم من الأيام حلاً لأية مشكلة وطنية أو قومية أو ديمقراطية، تماماً كما علّمتنا هذه التجارب أن المراهنة على القوى الخارجية في المشاريع الانفصالية لا يضع المراهنين في خندق العداء لشعبهم وأمتهم فحسب بل يحولهم إلى مجرد أدوات صغيرة في خدمة مخططات شريرة وخطيرة0

إن كل عمل انفصالي، أياً تكن مبرراته، انما يصب مباشرة في استراتيجية اعداء الأمة التي تتركز في هذه المرحلة بالتقسيم والتفتيت والتمزيق وبالتالي فإن الواجب الوطني والقومي يقتضي مقاومة هذا العمل وإسقاط كل المبررات والذرائع التي يحاول الاختباء وراءها0

إننا إذ نتطلع إلى شعب اليمن الحر، العريق في وحدويته، ليتحرّك لمواجهة هذه الخطوة الانفصالية وإسقاطها بكل الوسائل، فإننا ندعو الدول العربية والإسلامية إلى محاصرة هذه الخطوة غير الشرعية وغير الدستورية على طريق إسقاطها بعدم الاعتراف بهذا الانفصال والسعي إلى إطلاق كل المبادرات التي تنقذ الوحدة وتحقن الدماء وتصون المستقبل اليمني عبر تنفيذ "وثيقة العهد والاتفاق"0

إن التاريخ لن يرحم كل متلاعب بوحدة وطنه وأمته، كما لن يغفر لكل الأيدي الخارجية التي تعوّدت ان تعبث بمصير الشعب اليمني ووحدته0

 

بيروت 23/5/1994

 

بيان صادر عن المؤتمر القومي العربي

عن الأوضاع في اليمن

 

ان المؤتمر القومي العربي، الذي افتتح أعمال دورته الخامسة اليوم الاثنين 9/5/1994 في بيروت، والذي يشارك فيه جمع من المثقفين والممارسين العرب من شتى أنحاء الوطن العربي، بادر في مستهل أعماله إلى استعراض الأوضاع الجارية في اليمن والاقتتال الدائر بين أبنائه0 وقد عبّر المؤتمر عن أسفه البالغ وقلقه العميق لانفجار الأزمة السياسية التي تلف باليمن الشقيق، منذ أكثر من عام، إلى حد الاقتتال بين رفاق الأمس وأبناء الوطن الواحد0

إن المؤتمر القومي العربي، بحكم منطلقاته القومية، ينظر باعتزاز بالغ إلى ثورة الشعب اليمني العظيم وتجربته النضالية الفريدة، التي مكّنته من فرض إرادته على قوى التخلف والتبعية والتجزئة، ليعيد صنع الحياة على أرضه وفق مشيئته ووفق أمانيه0 ففي وسط ظروف متناهية في صعوبتها وأخطارها، حقق انتصاره التاريخي الأول حين فرض عليه القتال من أجل انتزاع الاستقلال والحرية، وتمهيد الطريق لبناء يمن موحّد متقدّم0 ثم حقق انتصاره التاريخي الثاني حين نجح في إزالة حواجز التجزئة المصطنعة وأعاد توحيد شطريه، بأسلوب الديمقراطية، وحين اعتمد نفس الأسلوب أساساً لنظام الحكم وإدارة دولة الوحدة، وكان ذلك كله أروع تكريم لتضحيات الشعب اليمني خلال ثلاثين عاماً من النضال وأعظم تشريف لمقدارها0

ومن هذه المنطلقات نفسها، يؤكّد المؤتمر ان القتال شرف00 ولكن الاقتتال جريمة، وان القيادات اليمنية تتحمل المسؤولية كاملة عن الأوضاع الجارية وعليها ان تتحمل بجد تبعات ما أقدمت عليه، مهما كانت الدوافع والغايات0 ان الاقتتال يشكل خطراً داهماً على الوحدة الوطنية للشعب اليمني، كما يمثل تهديداً خطيراً لوحدة وطنه وسيادته وسلامة أراضيه، فضلاً عمّا ترتّب عليه من تبديد للامكانيات وإهدار للثروات0 ولا شك ان ذلك كله يضع اليمن على أبواب الحرب الأهلية، كما يتيح الفرصة لكل الأعداء المتربصين بالوحدة على المستويات كافة المحلية والإقليمية والعالمية لتحقيق أغراضهم0

إن سفك الدماء اليمنية على أيدي ابناء اليمن، يمثّل حرباً خاسرة بكل معيار ولجميع الأطراف، كما يعتبر طعنة آثمة في ظهر الأمة العربية، وتهديداً لمشروعها القومي الحضاري، الذي تعتبر الوحدة اليمنية خطوة هامة على الطريق إلى انجازه، فضلاً عن تأثيراته الخطيرة والمؤكدة على الأمن القومي العربي0

ان المؤتمر القومي العربي، يتوجه إلى الشعب اليمني الأصيل، ويحمّله مسؤولية التصدّي للاقتتال الجاري، ومسؤولية حماية الوحدة، لكي يفرض إرادته من جديد على الذين احتكموا إلى السلاح بديلاً عن الحوار، وعرضوا البلاد لكل تلك المخاطر0

كما يناشد المؤتمر الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي وكافة القوى السياسية وكذلك جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، بذل كل ما تقدر عليه والتدخل لوقف الاقتتال في اليمن، ودعم وحدته وسلامة أراضيه، وإعادة قواه السياسية إلى مائدة الحوار، لوضع الخطوات العملية لتنفيذ "وثيقة العهد والاتفاق"0

والمؤتمر القومي العربي الخامس، وهو يدين اللجوء إلى السلاح بديلاً عن الحوار بين الأشقاء، مهما كانت الدعاوى والذرائع، ليؤكّد رفضه التام لأية حلول تفرض بالقوة، أو تمسّ وحدة اليمن شعباً وأرضاً، أو تعوق تنفيذ "وثيقة العهد والاتفاق" التي وقّعتها كل القوى السياسية في اليمن والتزمت بها أمام شعبها00 وأمام أمتها00 وأمام العالم أجمع0